Skip to content

في اغتيال البوطي .. الرصاص ليس الحلّ

7 أبريل 2013
bouti

جاءني خبر اغتيال الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي صاعقًا، ولن أُخْفي أنه عكّر مزاجي فيما تبقّى من ساعات ذلك اليوم. ولا يمكن للمُنْصِف أن يُرْجِع ذلك إلى تأييدي لنهج وأفكار البوطي فيما يخصّ الثورة، فقد قمتُ بمهاجمة هذا النهج والأفكار بشدة وفي مرّات عديدة سواء في أحاديث عامة أو على صفحتي في فيسبوك، وبدأتْ هذه القطيعة مع أوّل تصريح له بعد بدء الثورة حول المتظاهرين الذين “لا تعرف جباههم السجود” على حدّ قوله.

وفي هذه المساحة، لستُ في صدد تفصيل مكامن الخلل في نهج البوطي والتي برزت بشكل واضح في عاميْ الثورة المنصرميْن، فغرضي ليس مهاجمته أو الدفاع عنه، ولا تبرير موقفي الرافض لآرائه. ما يهمّني هنا هو الحديث عن ثقافة الاختلاف والتعامل مع الرأي الآخر في عالمنا العربي، وسورية تحديدًا، خاصّة مع تكرار محاولات إقصاء الآخر لمجرد اختلافه مع فكر فئة أو جماعة معيّنة؛ سواء كان هذا الإقصاء جسديًّا كما جرى مع البوطي وكاد مع رياض الأسعد، أو بالحيل القانونية كما يجري مع باسم يوسف، أو سياسيًّا عن طريق الاستبعاد أو فرض الأمر الواقع أو عقد الصفقات من تحت الطاولة. هذه كلّها ممارسات لا يتوانى النظام السوري عن القيام بها، فأحرى بمن ثار عليه ألا يخطو على خطاه.

قد يقول قائل، لمَ تصوّب أصابع اتهامك لمؤيّدي الثورة وتستبعد النظام؟ وإجابتي هي أني لم أستبعد على الإطلاق أن يكون النظام أو من يرتبط به وراء هذا العمل المُدان، بل ذلك هو المرجّح. ولكن هذه السطور لا تحاول تسجيل الاعتراض على الجريمة نفسها فقط، بل على كلّ من أيّدها قولًا أو فعلًا مدفوعًا برغبة إقصاء البوطي لاختلافه مع آرائه.

من الهام جدًّا أن نصل إلى القدرة على التمييز بين مهاجمة الرأي وبين مهاجمة صاحب الرأي (الشخصنة) وما يتبعها من إيذاء لفظي وجسدي. ومن الهام أيضًا أن نصل إلى الإيمان بقدسيّة حق الحياة كأعظم الحقوق المكفولة للإنسان بمجرّد إبصاره النور. ومن هذيْن المنطلقيْن، لا يجوز لأي شخص كائنًا من كان أن ينتزع حقّ الحياة هذا بحجّة آراء لا تناسبه مهما كانت طبيعة هذه الآراء وتبعاتها. فضلًا عن ذلك، لا يحقّ لأي شخص كائنًا من كان أن ينصّب نفسه سيفًا للعدل دون شرعية تخوّله بذلك.

إن الغبطة بالخلاص من ذي رأي آخر هي علامة فشل في المنظومة الفكرية-الأخلاقية، فلا هو قَدِر على إقناع الآخر بوجهة نظره (وهذا قد يكون مردّه إلى خلل في منطق الآخر بكل حال)، ولا هو استطاع تحمّل وجود الرأي المخالف (وهذه علامة استبداد وانغلاق فكريّ)، بل وزاد بأن أبدى سروره بتصفيته (وهذا خلل أخلاقيّ كونه ارتضى الرصاص أن يكون ترجمةً لمشاعره حتى لو لم يكن هو الفاعل). ولتبيان فشل هذه المنظومة فليتساءل ذاك الشخص المبتهج بتصفية مخالفه، ما هو شعوره تجاه من يبتهج بقتل من يشاطره الفكر والرأي؟ كيف نشعر، على سبيل المثال، تجاه من سُرَّ بمحاولة اغتيال رياض الأسعد؟ ومعلومٌ بأن العقيد الأسعد يشارك مباشرة في القتال بخلاف البوطي الذي كان يحرّض ولا يشارك.

للإنسان الحقّ باعتقاد ما يشاء، والتعبير عن ذلك كيفما يشاء، والتمتع بحق الحياة رغمًا عن ذلك كحق أصلي غير مكتسب أو مشروط. فإن كان هناك اختلاف في الرأي مهما كان هذا الرأي مستهجنًا أو محرِّضًا، فإن السبيل إلى معالجة ذلك يكون بالحوار أو بسُلْطة القانون لا الرصاص. وعلى المجتمعات التي تصبو إلى الحرية والكرامة أن تتكيّف على العيش في مجتمع تعدّدي فيه مختلف الآراء، ما أعجَبَنا منها وما لم يُعجِبْنا.

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: