Skip to content

"سأمحو ركبتي بالممحاة .. سآكلها حتى لا أجثو لعسكرٍ أو تيارٍ أو مرحلة!" - محمد الماغوط

في اغتيال البوطي .. الرصاص ليس الحلّ

bouti

جاءني خبر اغتيال الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي صاعقًا، ولن أُخْفي أنه عكّر مزاجي فيما تبقّى من ساعات ذلك اليوم. ولا يمكن للمُنْصِف أن يُرْجِع ذلك إلى تأييدي لنهج وأفكار البوطي فيما يخصّ الثورة، فقد قمتُ بمهاجمة هذا النهج والأفكار بشدة وفي مرّات عديدة سواء في أحاديث عامة أو على صفحتي في فيسبوك، وبدأتْ هذه القطيعة مع أوّل تصريح له بعد بدء الثورة حول المتظاهرين الذين “لا تعرف جباههم السجود” على حدّ قوله.

وفي هذه المساحة، لستُ في صدد تفصيل مكامن الخلل في نهج البوطي والتي برزت بشكل واضح في عاميْ الثورة المنصرميْن، فغرضي ليس مهاجمته أو الدفاع عنه، ولا تبرير موقفي الرافض لآرائه. ما يهمّني هنا هو الحديث عن ثقافة الاختلاف والتعامل مع الرأي الآخر في عالمنا العربي، وسورية تحديدًا، خاصّة مع تكرار محاولات إقصاء الآخر لمجرد اختلافه مع فكر فئة أو جماعة معيّنة؛ سواء كان هذا الإقصاء جسديًّا كما جرى مع البوطي وكاد مع رياض الأسعد، أو بالحيل القانونية كما يجري مع باسم يوسف، أو سياسيًّا عن طريق الاستبعاد أو فرض الأمر الواقع أو عقد الصفقات من تحت الطاولة. هذه كلّها ممارسات لا يتوانى النظام السوري عن القيام بها، فأحرى بمن ثار عليه ألا يخطو على خطاه.

قد يقول قائل، لمَ تصوّب أصابع اتهامك لمؤيّدي الثورة وتستبعد النظام؟ وإجابتي هي أني لم أستبعد على الإطلاق أن يكون النظام أو من يرتبط به وراء هذا العمل المُدان، بل ذلك هو المرجّح. ولكن هذه السطور لا تحاول تسجيل الاعتراض على الجريمة نفسها فقط، بل على كلّ من أيّدها قولًا أو فعلًا مدفوعًا برغبة إقصاء البوطي لاختلافه مع آرائه.

من الهام جدًّا أن نصل إلى القدرة على التمييز بين مهاجمة الرأي وبين مهاجمة صاحب الرأي (الشخصنة) وما يتبعها من إيذاء لفظي وجسدي. ومن الهام أيضًا أن نصل إلى الإيمان بقدسيّة حق الحياة كأعظم الحقوق المكفولة للإنسان بمجرّد إبصاره النور. ومن هذيْن المنطلقيْن، لا يجوز لأي شخص كائنًا من كان أن ينتزع حقّ الحياة هذا بحجّة آراء لا تناسبه مهما كانت طبيعة هذه الآراء وتبعاتها. فضلًا عن ذلك، لا يحقّ لأي شخص كائنًا من كان أن ينصّب نفسه سيفًا للعدل دون شرعية تخوّله بذلك.

إن الغبطة بالخلاص من ذي رأي آخر هي علامة فشل في المنظومة الفكرية-الأخلاقية، فلا هو قَدِر على إقناع الآخر بوجهة نظره (وهذا قد يكون مردّه إلى خلل في منطق الآخر بكل حال)، ولا هو استطاع تحمّل وجود الرأي المخالف (وهذه علامة استبداد وانغلاق فكريّ)، بل وزاد بأن أبدى سروره بتصفيته (وهذا خلل أخلاقيّ كونه ارتضى الرصاص أن يكون ترجمةً لمشاعره حتى لو لم يكن هو الفاعل). ولتبيان فشل هذه المنظومة فليتساءل ذاك الشخص المبتهج بتصفية مخالفه، ما هو شعوره تجاه من يبتهج بقتل من يشاطره الفكر والرأي؟ كيف نشعر، على سبيل المثال، تجاه من سُرَّ بمحاولة اغتيال رياض الأسعد؟ ومعلومٌ بأن العقيد الأسعد يشارك مباشرة في القتال بخلاف البوطي الذي كان يحرّض ولا يشارك.

للإنسان الحقّ باعتقاد ما يشاء، والتعبير عن ذلك كيفما يشاء، والتمتع بحق الحياة رغمًا عن ذلك كحق أصلي غير مكتسب أو مشروط. فإن كان هناك اختلاف في الرأي مهما كان هذا الرأي مستهجنًا أو محرِّضًا، فإن السبيل إلى معالجة ذلك يكون بالحوار أو بسُلْطة القانون لا الرصاص. وعلى المجتمعات التي تصبو إلى الحرية والكرامة أن تتكيّف على العيش في مجتمع تعدّدي فيه مختلف الآراء، ما أعجَبَنا منها وما لم يُعجِبْنا.

عامان على الثورة .. وتأثير الفراشة

butterfly-effect

تمرّ علينا في هذه الأيام الذكرى الثانية لإنطلاقة الثورة السورية. وعلى الرغم من أن نتيجتها النهائية في إسقاط النظام الحالي أصبحت بديهية، إلا أن الوقت اللازم لتحقيق ذلك وكيفيته ما زالا مجهوليْن، ما يجعل مصير البلد وأمد معاناة الناس أيضا مجهوليْن. أتساءل أحيانًا، يا تُرى لو تسنّى لأحدنا العودة للوراء لتغيير حدث ما نعتقد بأنه تسبّب في تأجيل الحسم أو دخول البلاد في هذه الفوضى القائمة الآن، أي الأحداث نختار؟

تذكّرني هذه الفكرة، العودة للوراء لتغيير الأحداث، بـمصطلح “تأثير الفراشة”، والذي جسّده الكاتب الأميركي راي برادبري في قصته القصيرة “صوت عاصفة”. وملخّص هذه القصة يدور حول قيام شخص يعيش في عام 2055 بالتسجيل في رحلة سفاري لاصطياد ديناصور عن طريق شركة تنظّم هذا النوع من الرحلات باستخدام آلة الزمن. يقوم مرشدو هذه الشركة بالعودة إلى نقطة زمنية معيّنة وتعقيم ممرّ خاص لتجنّب إحداث أي تغيير مهما صغر في البيئة المحيطة. عند وصول هذا الصياد مع مجموعة إلى عصر الديناصورات، يصاب بالرهبة عند رؤيته الديناصور، ما يتسبّب بحالة من الهلع تعيده راكضًا إلى آلة الزمن مرة أخرى دون الالتزام بالممرّ المعقّم. وعند عودة الفريق إلى الزمن الحالي، يتفاجأ الصيّاد بأنه قد قام بالدوس على فراشة أثناء حالة الفوضى التي عمّت، ونتيجة لذلك تغيّرت بعض الأحداث في الزمن الحالي ومنها انتخاب ديكتاتور مستبدّ للولايات المتحدة بدلًا من المرشّح الديمقراطي الآخر الذي تمّ انتخابه في الزمن الأصلي قبل إحداث التغيير. ولذلك سُمِّي المصطلح بـ”تأثير الفراشة” والتي على صغرها وانعدام أهمّيتها الظاهري، إلا أن اختفاءها من الماضي تسبّب باختفاء سلسلة من الأحداث المعتمِدة عليها ما أدّى لحدوث تغييرات جوهريّة بعد ملايين السنين نتيجة عامل المراكمة.

بالتأكيد هذه قصة خياليّة، ولكن العبرة برمزيّتها. إن الأحداث الصغيرة والتي قد لا نعير لها اهتمامًا لها أثرٌ كبير على الحاضر والمستقبل عندما ينتج عنها ردّات فعل وتتراكم. ربما اعتقال أطفال درعا مثال حيّ على ذلك، ولكن حتى الأحداث الأبسط من هذه قد تكون غيّرت مجرى ثورتنا. هل يا تُرى استشهاد مشعل تمّو قد غيّر من ديناميكية الوضع في المناطق الشمالية الشرقية؟ هل يا تُرى تأخّر حلب في المشاركة الفعّالة في الثورة السلميّة ساهم في جعلها أحد المراكز الرئيسية للثورة المسلّحة؟ هل يا تُرى حادثة قرية البيضا قد كرّست جغرافيّة-إجتماعية معيّنة للثورة في سورية؟ أحداث كهذه لا شكّ أنها ساهمت في تشكيل الثورة التي نراها اليوم.

ولأعود لسؤالي، لو توفّرت لنا آلة زمن مثلًا، هل هناك حدث معيّن يمكننا العودة إليه وتغييره لإحداث تغيير جوهريّ في شكل الثورة الحالي؟ ماذا لو اغتيل بشار الأسد في خطابه الأوّل؟ ماذا لو تجاوبت المعارضة مع الإصلاحات الشكلية التي طُرِحَت في نيسان؟ ماذا لو كان أوّل الشهداء في مظاهرة 15 آذار الدمشقية بدلًا من 18 آذار الحورانية؟ بل ماذا لو لم يمت باسل الأسد في حادث السيارة ما يورثه رئاسة سورية بدلًا من بشار؟

من قال أن تغيير حادثة معيّنة سيأتي فعلًا بسيناريو أفضل للثورة؟ قد يكون شكل الثورة الحالي هو أفضل السيناريوهات الممكنة. ما يمكن الجزم به بعد كل حالات الافتراض هذه هو أن ثورة السوريين سطَرَت أبلغ التضحيات، وأنها ستسقط نظام الطاغية عاجلًا أم آجلًا. في ذكرى الثورة، تحية إكبار لشعب سورية الصامد، الرحمة لشهداء الكرامة، الحرية لجميع المعتقلين، والعلياء لسورية العظيمة.

حول حكومة سورية في المنفى

rev-flag

طال الحديث في الأشهر الأخيرة عن نيّة المعارضة السورية تشكيل حكومة في المنفى، ويبدو أن الأيام القادمة حبلى بهذه الحكومة والتي ستبصر النور أخيرًا بعد طول انتظار. ولكن، ما أهمية تشكيل هذه الحكومة سوريًّا؟ وهل في التاريخ من تجارب شبيهة تضمّنت تشكيل حكومة في المنفى؟

لم يكن مطلب تشكيل هذه الحكومة ضروريًّا في الشهور الأولى للثورة، بل كان ليضرّ أكثر ما ينفع لاعتبارات عدة. ولكن مع وصول مستوى جرائم النظام إلى حدود غير مسبوقة على المستوى الإنساني ما يقدّمه كقوة احتلال غاصبة للسلطة، بدلًا من نظام مسؤول عن أمن وسلامة مواطنيه ووحدة كيان الدولة التي يحكمها، إضافة إلى تطوّر الوضع الميداني إلى حالة احتراب أهلية خَلَقَت مناطق واسعة خارجة عن سيطرة النظام الإدارية وواقعة في نفوذ القوى المعارضة، بسبب ذلك أضحى مطلب تشكيل حكومة في المنفى ضروريّا للمساعدة في تحقيق أهداف الثورة.

تكمن أهميّة تشكيل هذه الحكومة في نقطتين رئيسيتين: أولاهما هي تمكين قوى الثورة من تشكيل جسم موحّد يحظى بإجماع شعبيّ له الصلاحية التنفيذية لحُكْم المناطق الخاضعة لسلطته مما يوفّر إمكانية معالجة مشكلتيْن داهمتيْن هما توفير الخدمات الأساسية والأمور المعيشية اليومية للمواطنين، والحفاظ على وحدة وترابط هذه المناطق ضمن كيان واحد خاضع لسُلْطة واحدة ممّا يحافظ لاحقًا على وحدة الكيان السوري. أما النقطة الثانية فهي سحب الشرعية القانونية من النظام بشكل كامل، وإيجاد بديل يمثّل سورية قانونيًّا ودوليًّا مع ما يترتّب على ذلك من تداعيات تسمح بتسريع عملية إسقاط النظام ودعم وحدةَ الدولة ونظامَها الديمقراطي الجديد.

وفي حال تشكّلت هذه الحكومة السورية في المنفى فإنها لن تكون الأولى من نوعها، فالتاريخ شهد حكومات مماثلة نشأت لتحقيق أغراض مشابهة. من أبرز هذه الحكومات تلك التي تكوّنت في أوروبا إبّان الحرب العالمية الثانية، مثل حكومات فرنسا وهولندا وبلجيكا وتشيكوسلوفاكيا، حيث اتّخذت معظمها مقرّات في بريطانيا واعتُبِرَت الممثّل الشرعي لدولها من قِبَل دول التحالف ثمّ استلمت زمام الحكم بعد تحرير بلدانها من الاحتلال النازي والقوى المتعاونة معه. ومن هذه الحكومات أيضا الحكومة الجزائرية التي تشكّلت في القاهرة عام 1958 إبّان الاستعمار الفرنسي وعملت على حشد التأييد العالمي لثورتها حتى تحقيق الاستقلال. وكذلك قامت الحكومة الكويتية بالعمل في المنفى السعودي عقب الاحتلال العراقي لدولة الكويت عام 1990. وكان غرض هذه الحكومات هو تثبيت نفسها كممثّل شرعي ووحيد لدولها في المجتمع الدولي مع اعتبار السلطة الحاكمة في وقتها غير شرعيّة، إضافة إلى إدارة الأراضي غير الخاضعة لهذه السلطة، وتنظيم عملية انتقال الحُكْم وما يتعلّق به من حسم عسكريّ أو مفاوضات دبلوماسية وغيرها.

إن تشكيل حكومة سورية في المنفى أصبح من الضرورة بمكان بعد أن فقد النظام الأسدي أي شرعية يمكن أن تضفى عليه. وقد تستطيع هذه الحكومة أن تلعب دورًا هامًّا ومحوريًّا جدًّا في نقل البلاد إلى مرحلة ما بعد النظام الحالي إن استطاعت إثبات نفسها أمام المجتمع الدولي كسُلْطة قادرة على إدارة المناطق الخاضعة لها، وتحظى بثقة شعبها، وجديرة بتمثيل دولة محوريّة في قلب منطقة ملتهبة بحيث تستطيع منع الانجرار نحو الفوضى. حكومة كهذه لن تستطيع إنجاز ذلك إلا إذا تشكّلت بعيدًا عن عقلية المحاصصة الطائفية السياسية، وبناءً على تكليف الكفاءات المهنية بحكومة مصغّرة غرضها تحقيق الأهداف التي من أجلها قامت، دون سجالات عقيمة أو ضجة إعلامية .. هذا إن كانت مصلحة سورية فوق كل الاعتبارات.

تابع

احصل على كل تدوينة جديدة تم توصيلها إلى علبة الوارد لديك.

انضم 165 متابعون آخرين

%d مدونون معجبون بهذه: