Skip to content

\"سأمحو ركبتي بالممحاة .. سآكلها حتى لا أجثو لعسكرٍ أو تيارٍ أو مرحلة!\" - محمد الماغوط

باسم يوسف .. عندما لا نهوى الرأي الآخر

يتابع الكثيرون من الشباب العربي وشيّابه على السواء برنامج “البرنامج” الذي يقدّمه للعام الثاني باسم يوسف، طبيب الجراحة القلبية الذي نقل خبرته في التشخيص الطبي إلى الحياة العامة فبرَع في الإشارة إلى مواضع الخلل بأسلوب ساخر ممتع يشدّ المشاهد ويخاطب عقله في الوقت نفسه. هذا البرنامج برز في بادئ الأمر عقب الثورة المصرية وتناول بشكل رئيسي مواضيع تتعلّق بحقبة الديكتاتورية وما تلاها من حكم المجلس العسكري والمخاوف من وأد الثورة المصرية قبل أن تيْنَع وتؤتي ثمارها. لذلك لاقى برنامجه تأييدًا كبيرًا في صفوف مختلف الأطياف المؤيّدة للثورة في مصر والوطن العربي.

ولكن اختلف الحال هذا العام عقب انتخابات الرئاسة المصرية وإحالة أبرز قيادات المجلس العسكري إلى التقاعد. فعلى الرغم من أن باسم يوسف تابع سياسة برنامجه في انتقاد “السُلطة” والظواهر السلبية في الحياة العامة، إلا أن بعض أصدقاء الأمس ممّن كانوا يعتبرون البرنامج صوتًا حرًّا في مواجهة الظلم ونصرة الحق انقلبوا ذامّين عندما أصبحوا لا يتّفقون والنقد المطروح. وصل الأمر في بعض الأحيان إلى التهجّم الشخصي على مقدّم البرنامج أو التهديد بإيقافه أو إغلاق المحطة. وباعتقادي الشخصي يمثّل هذا الأمر تحديًّا هامًّا في صميم أهداف ثورات الربيع العربي والتي نادت بالحرية وطالبت بإسقاط احتكار الديكتاتور ودائرته الضيقة لكافة مجالات الحياة. فالتساؤل هو: إن كنا ندافع عن حرية التعبير كحق أساسي لأي مجتمع إنساني، فماذا نكون قد أنجزنا إن لم نتوانَ عن إسكات أي صوت يتعارض مع الخط السياسي الذي نؤمن به؟

إنه من الهام والضروريّ جدًّا ضمان حرية التعبير المطلقة خاصة في الإعلام بما يسمح “للسُلطة الرابعة” بممارسة دورها الرقابي على بقية السُلطات وأبرزها التنفيذية. يكاد يكون هذا الأمر من أهم أولويات ثورات الربيع العربي لأنه الأداة الأنجع في تسليط الضوء على تجاوزات أي سُلطة جديدة قد تتحوّل إلى نظام ديكتاتوري في ظلّ مجتمعات مهترئة ما زالت تتعافى من استبداد عمره عقود. ولا شك أن هناك إعلام ذو أغراض ضيّقة وانتقادات مجحفة ويفتقد المهنية الأخلاقية، ولكن ضمان الحرية في الفضاء الإعلامي سيتيح المجال لظهور جميع الآراء والأفكار لتتنافس فيما بينها دون قمع أو إرهاب فكري، وللجمهور حرية الاعتقاد بما يشاء.

ومن وجهة نظر مدنيّة تُعْنى بتعزيز الحريات وقِيَم المواطنة في المجتمع، يُعْتَبر برنامج باسم يوسف قفزة هامة في الإعلام العربي حيث يتناول المسائل السياسية بأسلوب ناقد ساخر يخاطب العقل لا الغرائز، وهذا لا يمنع بالتأكيد وجود بعض الفقرات الترفيهية التي تهدف للإمتاع. وبغض النظر عن رأينا في موقف البرنامج من هذه المسائل، وهو موقف سيكون بشكل عام في مواجهة السلطة أيّا كانت فالرقابة تكون على من يملك القرار لا من لا يملك القرار، إلا أنه من الضروريّ أن يكون هناك جرأة في الطرح لا تتجنّب انتقاد شخص خشية التهجّم على “مقدّسات” خلقها فريق سياسي معيّن أو العادات الإجتماعية. وأعتقد أن برنامج “البرنامج” نجح في لعب هذا الدور مع الجميع دون استثناء، وإذا ما كُتِب له الاستمرار فسيشكّل عمودًا رئيسيًّا في الإعلام النقدي لأي سلطة في المستقبل.

ختامًا، آمل كما الكثيرين من شباب التيار المدني العربي في استنساخ تجربة باسم يوسف في بقية الدول العربية، حتى يصبح لدينا برامجَ هادفة مسؤولة موضوعية عينها على حماية القِيَم المدنية والإنسانية وليس الترويج لأجندات حزبية وفئوية على حساب المبادئ التي قامت من أجلها ثورات الربيع العربي.

Advertisements

حول الحوار والمجلس والثورة .. أين نحن الآن؟

ربما لم تشهد الثورة السورية منذ اندلاعها قبل أقل من عامين بقليل مرحلة من الرواح كما هو الحال الآن، حيث لا حلٌّ في المدى القريب يُرْتَجى. ورغم حالة الرواح هذه، إلا أن التكلفة البشرية والمادية اليومية عالية جدًّا لتجعلنا نتساءل، هل هناك من لديه الإخلاص والحُرقة الكافية لفعل شيء ما يحقّق جوهر أهداف الثورة وفي نفس الوقت يخفّف من المعاناة الإنسانية ونزيف الدماء الجاري في سورية؟

إن كلّ ما سبق عوامل كافية لتدفع أي شخص عاقل مخلِص لوطنه وشعبه بالتحرّك للقيام بشيء ما، أو دفع الأمور باتجاه معيّن يخرِج الثورة السورية من حالة السكون .. فكلّ يوم يمرّ دون أن يكون هناك نتائج ملموسة نحو الهدف يعني مزيدًا من الخسائر التي يمكن تجنّبها بشيء من الحكمة والتركيز على الصورة المجملة بدلًا من القشور. ولنتذكّر جميعًا أن البقاء في دوامة الاقتتال دون تقدّم هو ما يرغبه النظام الذي أثبت أنه ذو نفس طويل قادر على الصمود، كما أن هذا الوضع يُرضي القوى العالمية الحريصة على إيجاد حالة من التوازن إلى حين حصول جديد يدفعها إلى إعادة تقييم مواقفها من الثورة.

وعلى هذا الأساس، اعتبر كاتب هذه السطور مبادرة المهندس معاذ الخطيب رئيس الائتلاف الوطني خطوة سليمة في المبدأ والتوقيت، مع التسليم بأنه كان بالإمكان إخراجها بشكل أفضل. إن مبادرة الخطيب في أسوأ الحالات هي محاولة تثبت جديّة المعارضة في التعامل مع الأزمة أمام مجتمع دوليّ لا يفتأ أن يختلق الأعذار الواهية للتهرّب من تحمّل مسؤولياته الأخلاقية تجاه ما يجري، كما تؤكّد مجدّدا كذب النظام وعدم جديّته خاصة أمام داعمه السياسي الأهم روسيا. وبالتأكيد، ليس الغرض تغيير قناعات الدول التي لن تتغيّر، بل الغرض هو تسجيل نقاط سياسية يمكن استخدامها بعيدًا عن الإعلام لإيجاد مخرج معيّن للأزمة.

أما في أفضل الحالات وأكثرها تفاؤلًا، قد يقوم النظام بقبول هذه المبادرة، والإفراج عن المعتقلين، وتجديد جوازات السفر (والغرض من ذلك ليس السفر لسورية كما افترض أحد الكتّاب الحذقين، بل إتاحة فرصة التنقّل الحرّ للمهجّرين، وبعضهم يحتاج إلى جواز سفر صالح ليحصلوا على مستندات إقامة في بعض الدول). هذا الأمر، فضلًا عن أنه سوف يخفّف بعضًا من المعاناة، فإنه سيتيح فرصة إيجاد حلٍّ سياسيّ يؤدّي إلى وقف نزيف الدماء ثم التفاوض حول شكل الدولة الجديدة التي يطمح لها السوريون. إن أي مراقب لثورة الحرية والكرامة في سورية يعلم جيّدًا أن من قدّم أكثر من 65 ألف شهيد لن يقبل بوجود بشار الأسد أو نظامه الأمني ضمن هذه الدولة الجديدة، وأن كثيرين من شعبها يريدون دولة تكفل الحرية والكرامة والمواطنة العادلة لشعبها.

إذًا جوهريًّا لم يتغيّر شيء، بل ما جرى هو أن الوقائع على الأرض تفرض تغييرًا في التكتيك واللغة تنظر للظروف الدولية بعناية أكبر بعد أن تمّ تدويل وعسكرة الثورة السورية بالكامل (نقطتان حذّرنا منهما مرارًا في السابق، ولكن أبى البعض إلا وأن سلك هذا الطريق ليصل إلى نفس النتيجة التي توقّعناها). وفي هذا السياق تحضرنا مواقف المجلس الوطني كثير الصراخ قليل الفعل، والذي برع في المزاودة على السوريين بدلًا من إبداع الطرائق لتحقيق مطالبهم السياسية والإجتماعية.

إن أي حرب في التاريخ لا بدّ أن تنتهي باتفاق سياسيّ، خاصة إن كانت تتمحور حول شكل الدولة وتضمّنت عامل الاحتراب الأهليّ .. وسورية لن تكون استثناءً. قد يكون هذا الاتفاق قاسيًا، بل لن يكون هناك اتفاق يرقى لمستوى التضحيات التي قدّمها السوريون، ولكن لا بدّ أن يعيَ السوريون أن كل تأخير يعادل مزيدًا من الوقت الضائع الملطّخ بالدماء. إن ضمان أهداف الثورة من حرية وكرامة في اتفاق محتمل هو الأهم بدلًا من المهاترات الإعلامية غير المسؤولة والتي تضع مصلحة المواطن السوري في آخر اهتماماتها.

رأس العين .. وجوهر المسألة الكردية

لم تكن المسألة الكردية في القُطْر السوري أكثر إلحاحًا في أي وقت مضى من العقود الخمسة الماضية كما هي الآن، إبّان الثورة السورية التي انطلقتْ منذ قرابة العامين، وبالأخص في أعقاب الاشتباكات الجارية الآن في مدينة رأس العين بين مسلّحين محسوبين على الجيش السوري الحرّ، وآخرين محسوبين على قوى كرديّة. تشكّل هذه الاشتباكات تحديّا حقيقيّا للثورة بل ولتماسك الكيان السوري مستقبلًا لأنها تعدّ الأولى من نوعها (على الأقل في جديّتها) بين قوى كردية وأخرى غير محسوبة على النظام ما يُعطيها طابعًا إثنيًّا يختلف عن الطابع القمعيّ الذي كان يستخدمه النظام السوري مع جميع القوى على اختلاف إثنيّاتها بما فيها المكوّن الكردي.

وبغضّ النظر عن مسبّبات هذه الاشتباكات وحيثيّاتها، رغم أهمّية تناول ذلك لأسباب عديدة ليس أقلّها تلافي هذه الصدامات في المستقبل، فإن ما يهمّني في هذه المساحة هو تناول المسألة الكردية بالمُجْمل كإحدى أهم القضايا التي تواجه الكيان السوري الآن وبعد سقوط النظام. وفي حقيقة الأمر، ما ينطبق في المسألة الكردية هنا ينطبق أيضا على كل الأعراق الأخرى المكوّنة للمجتمع السوري بما فيها المكوّن العربي، كما تنطبق على كل الطوائف الدينية الداخلة في النسيج السوري. فإذا كان الأمر كذلك، لِمَ تحتلّ المسألة الكردية أولوية دون غيرها؟

هناك ثلاثة عوامل رئيسية تُسهِم في إبراز المسألة الكردية. أولى العوامل هو العامل الديمغرافي الذي يضع الأكراد كأكبر أقلية عرقيّة في سورية بعد الأغلبية العربية، مقارنة بأعداد أقل بكثير لأقليات أخرى كالآشوريين والأرمن والتركمان والشركس. العامل الثاني هو امتداد المسألة الكردية خارج الحدود السورية لتتشابك مع نظيراتها التركية والعراقية والإيرانية، وتاريخ هذه المسألة خاصة في الشقّين العراقي والتركي فيه الكثير من الشجون والتعقيدات ما ينعكس بدوره على الشقّ السوري. أما العامل الثالث فهو المخاوف والهواجس المتبادلة بين الطرفين: الكردي وغير الكردي.

قد يكون العامل الأخير هو الأخطر في المسألة الكردية كوْنه غير مبنيّ على حقائق واقعية، بل أساسه افتراضات قد يكون تم اشتقاقها من أحداث تاريخية أو ممارسات جارية أو ظروف محيطة ولكنها تبقى افتراضات نظريّة. ولربما وجود هواجس معيّنة أمر طبيعيّ في المجتمعات المتنوّعة خاصة التي تعيد تكوين نفسها بعد حقبة طَبَعَها القمع والاستبداد الهمجي، ولكن تكمن خطورتها عندما يتّخذ أحد الأطراف خطوة استباقية وقائيّة من الطرف الآخر حسب ظنّه، خاصة في ظلّ انعدام التواصل البيْني المبنيّ على الثقة والشراكة المتبادلة. وقد يكون لسوء تفاهم كهذا نتائج وخيمة على كليّة الكيان السوري، تماما كما يجري في رأس العين. للطرف الكردي مخاوف من أن يعاود العيش تحت سُلْطة قمعيّة تحرمه من أبسط حقوقه في المواطنة الكاملة كالتحدّث بلغته وتبادل ثقافته والافتخار بتراثه وغيرها من الحقوق البديهية لأي مواطن ينتمي لأي وطن. وفي المقابل، لدى الطرف غير الكردي مخاوف – مبرّرة في كثير من الأحيان – من إمكانية استغلال بعض الجماعات الكردية السورية وغير السورية للفوضى الحاصلة الآن من أجل الدفع بانفصال كامل أو جزئيّ للأكراد عن وطنهم سورية، أو عزل مناطقهم عن محيطها السوري.

المسألة الكردية تستوجب حلّا يضع في الاعتبار الغُبْن الذي اعترى الأكراد (كما اعترى غيرهم أيضا) في سِنيّ الحكم البعثيّ، ويضمن لهم المساواة الكاملة مع أشقائهم السوريين على أساس المواطنة التي لا تقيم اعتبارًا إلا للانتماء الوطني. هذا الحلّ يجب أن يلغي مفهوم الأقليّات ليضع كل السوريّين – أكرادًا أو غير أكراد – تحت مفهوم الانتماء للوطن السوري، هذا الوطن الذي يفخر بكل مكوّناته العرقية والطائفية، كما يفخر بحضارته ذات الطابع العربي-الإسلامي. حلّ كهذا يستوجب مسؤولية كبيرة من جميع الأطراف، وتواصل مستمرّ مبنيّ على الثقة والتعاون في سبيل مصلحة سورية، وسورية وحدها.

%d مدونون معجبون بهذه: