Skip to content

رأس العين .. وجوهر المسألة الكردية

1 فبراير 2013
kord

لم تكن المسألة الكردية في القُطْر السوري أكثر إلحاحًا في أي وقت مضى من العقود الخمسة الماضية كما هي الآن، إبّان الثورة السورية التي انطلقتْ منذ قرابة العامين، وبالأخص في أعقاب الاشتباكات الجارية الآن في مدينة رأس العين بين مسلّحين محسوبين على الجيش السوري الحرّ، وآخرين محسوبين على قوى كرديّة. تشكّل هذه الاشتباكات تحديّا حقيقيّا للثورة بل ولتماسك الكيان السوري مستقبلًا لأنها تعدّ الأولى من نوعها (على الأقل في جديّتها) بين قوى كردية وأخرى غير محسوبة على النظام ما يُعطيها طابعًا إثنيًّا يختلف عن الطابع القمعيّ الذي كان يستخدمه النظام السوري مع جميع القوى على اختلاف إثنيّاتها بما فيها المكوّن الكردي.

وبغضّ النظر عن مسبّبات هذه الاشتباكات وحيثيّاتها، رغم أهمّية تناول ذلك لأسباب عديدة ليس أقلّها تلافي هذه الصدامات في المستقبل، فإن ما يهمّني في هذه المساحة هو تناول المسألة الكردية بالمُجْمل كإحدى أهم القضايا التي تواجه الكيان السوري الآن وبعد سقوط النظام. وفي حقيقة الأمر، ما ينطبق في المسألة الكردية هنا ينطبق أيضا على كل الأعراق الأخرى المكوّنة للمجتمع السوري بما فيها المكوّن العربي، كما تنطبق على كل الطوائف الدينية الداخلة في النسيج السوري. فإذا كان الأمر كذلك، لِمَ تحتلّ المسألة الكردية أولوية دون غيرها؟

هناك ثلاثة عوامل رئيسية تُسهِم في إبراز المسألة الكردية. أولى العوامل هو العامل الديمغرافي الذي يضع الأكراد كأكبر أقلية عرقيّة في سورية بعد الأغلبية العربية، مقارنة بأعداد أقل بكثير لأقليات أخرى كالآشوريين والأرمن والتركمان والشركس. العامل الثاني هو امتداد المسألة الكردية خارج الحدود السورية لتتشابك مع نظيراتها التركية والعراقية والإيرانية، وتاريخ هذه المسألة خاصة في الشقّين العراقي والتركي فيه الكثير من الشجون والتعقيدات ما ينعكس بدوره على الشقّ السوري. أما العامل الثالث فهو المخاوف والهواجس المتبادلة بين الطرفين: الكردي وغير الكردي.

قد يكون العامل الأخير هو الأخطر في المسألة الكردية كوْنه غير مبنيّ على حقائق واقعية، بل أساسه افتراضات قد يكون تم اشتقاقها من أحداث تاريخية أو ممارسات جارية أو ظروف محيطة ولكنها تبقى افتراضات نظريّة. ولربما وجود هواجس معيّنة أمر طبيعيّ في المجتمعات المتنوّعة خاصة التي تعيد تكوين نفسها بعد حقبة طَبَعَها القمع والاستبداد الهمجي، ولكن تكمن خطورتها عندما يتّخذ أحد الأطراف خطوة استباقية وقائيّة من الطرف الآخر حسب ظنّه، خاصة في ظلّ انعدام التواصل البيْني المبنيّ على الثقة والشراكة المتبادلة. وقد يكون لسوء تفاهم كهذا نتائج وخيمة على كليّة الكيان السوري، تماما كما يجري في رأس العين. للطرف الكردي مخاوف من أن يعاود العيش تحت سُلْطة قمعيّة تحرمه من أبسط حقوقه في المواطنة الكاملة كالتحدّث بلغته وتبادل ثقافته والافتخار بتراثه وغيرها من الحقوق البديهية لأي مواطن ينتمي لأي وطن. وفي المقابل، لدى الطرف غير الكردي مخاوف – مبرّرة في كثير من الأحيان – من إمكانية استغلال بعض الجماعات الكردية السورية وغير السورية للفوضى الحاصلة الآن من أجل الدفع بانفصال كامل أو جزئيّ للأكراد عن وطنهم سورية، أو عزل مناطقهم عن محيطها السوري.

المسألة الكردية تستوجب حلّا يضع في الاعتبار الغُبْن الذي اعترى الأكراد (كما اعترى غيرهم أيضا) في سِنيّ الحكم البعثيّ، ويضمن لهم المساواة الكاملة مع أشقائهم السوريين على أساس المواطنة التي لا تقيم اعتبارًا إلا للانتماء الوطني. هذا الحلّ يجب أن يلغي مفهوم الأقليّات ليضع كل السوريّين – أكرادًا أو غير أكراد – تحت مفهوم الانتماء للوطن السوري، هذا الوطن الذي يفخر بكل مكوّناته العرقية والطائفية، كما يفخر بحضارته ذات الطابع العربي-الإسلامي. حلّ كهذا يستوجب مسؤولية كبيرة من جميع الأطراف، وتواصل مستمرّ مبنيّ على الثقة والتعاون في سبيل مصلحة سورية، وسورية وحدها.

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: