Skip to content

أشواك الربيع العربي: لبننة الثورة السورية

30 يونيو 2012
Homs1

إن المتابع لما يجري مؤخّرا على الساحة العربية ليتعجّب حقّا كيف أضحى مدّ الشعوب الذي كان جارفًا وأخذ الحكّام وأنظمتهم على حين غفلة، مُسْقِطا أربعة من أعتى الديكتاتورات العرب وما يربو عن عشر حكومات في شهوره الأولى فقط (مع إدراكنا بهامشية تغيير حكومة في نظام عربي)، كيف أضحى هذا المدّ هجومًا مضادًّا ووقحًا من قِبَل الأنظمة العربية يقوده النظامان المصري والسوري، وإن كان بظروف مختلفة خاصة بكلّ من الحالتين. عجيبة هي الجرأة في تحدّي إرادة الشعوب خاصة بعد أن ثارت وأصبحت لا تهاب أي تحدٍّ حتى لو كلّفها ذلك استشهاد عشرات الآلاف كما يجري في سورية الحبيبة. عجيبة هي الوقاحة في محاولة إعادة الأمور لما كانت عليه وكأنّ شيئا لم يكن، دون وعي لدروس التاريخ الذي قد يتيح المجال حقا للأنظمة بأن تعود إلى الصدارة لسنوات عديدة قادمة، ولكن ما قامت ثورة شعب في التاريخ إلا وتوالت إرتداداتها لتجتذّ الاستبداد من جذوره، ولو بعد عقود.

لقد نضجنا كثيرًا في الشهور الماضية، ونظرتُنا الأفلاطونية المثالية البريئة الساذجة في الشهور الثلاثة الأولى للربيع العربي، كيف لا تكون كذلك وقد أطاحت ثورات العرب بديكتاتوريْن بينهما ديكتاتور مصر وكادت على وشك أن تعصف بأربعة آخرين، وتندلع ببضع دول أخرى، غدت الآن نظرة واقعية أكثر التصاقا بالتاريخ والأرقام والوقائع، وأكثر منهجية في التعامل مع المستجدات. تعلّمنا أن إرادة الشعوب حاسمة جدا وتستطيع أن تغيّر كلّ شيء .. كل شيء بلا استثناء، ولكن هذا مرهون بأن تبقى هذه الإرادة صادقة واضحة الأهداف، وأن لا تتشتّت في غياهب المصالح الفئوية والأهداف الثانوية خاصة تلك التي تتعارض مع كيانية بعض من يشكّلون جزءا من الإرادة الشعبية المُجْمَلَة. علّمتنا ثورتيْ مصر وسورية الكثير. علّمتنا أن النظام ليس زعيما أو مجموعة أفراد، بل هو أنظومة حكم شاملة تحكم الدولة حتى أدقّ تفاصيلها، وعندما أراد الشعب إسقاط النظام كان يقصد (أو ربما توجّب عليه) إقتلاع المنظومة بأكملها لا الاكتفاء برأس الهرم. علّمتنا أن النظام يعجز عن مقارعة المطالبة بهدف نبيل تم رفعه بإخلاص، بل وبُذِلَت الدماء من أجله. لا يستطيع أن يخرج النظام ويقول أننا ضد الحرية، أو أننا مع الفساد، أو أننا ضد الديمقراطية. لا يوجد نظام يناقش أهدافا كهذه، وعادة ما يتفّق كل الشعب مع هذه الأهداف (المؤيد منه والمعارض) وتصبح القضية مسألة تشكيك في النوايا بدلا عن خلاف حول المبادئ نفسها. ولكن عندما تتحوّل هذه الأهداف إلى أهداف ما دون وطنية، تُبْرِزُ مصالحًا فئوية أو تُقْصي شرائحًا وطنية، يُصْبِح للنظام حجّة تقنع البعض، وهذا يفتُّ من الإرادة الشعبية ويضيِّعُ البوصلة.

عندما يصبح همّ جماعة معيّنة في مصر هو إيصال مرشّحيها وتمرير أجندتها مفضّلة حصد مكاسب الثورة منفردة عن التعاون مع بقية القوى الثورية، يصبح للنظام المصري (الذي بدا جليّا أنه لم يسقط بعد) حجّة في أن يدّعي بوقاحة أنه هو حامي الثورة والبلد ووجهها المدنيّ، وأن يمرّر القوانين مستفيدا من الانشقاق الشعبي وتشتّت الإرادة الثورية، فيما يكاد يصل إلى انقلاب كامل على ثورة 25 يناير قد يعيد مصر إلى المربع الأول، هذا إن لم تدخل في أتون سيناريو الجزائر، لا قدّر الله. وسأترك الحديث عن ما يجري في مصر الآن، رغم أهميته، لأخصّص ما تبقى في هذه المساحة للحديث عن سورية. فمثل مصر، عندما نحّى السوريون أهداف ثورتهم السامية المتمثّلة بالحرية والديمقراطية، ليرفعوا شعارات لا تعكس كل الإرادة الشعبية ولا رسالة جامعة، وما أكثرها في الشهور الأخيرة، أتاح ذلك هامشا يناوُر به النظام، ويحوّله من مستبدّ يثور ضده الشعب بأكمله، إلى طرف في نزاع يجلس على الطاولة مُشارِكًا في إيجاد مخرجًا للأزمة. بل إن الدعوات الطائفية، والتي عمل النظام على تغذيتها ليلا نهارا، وأبدى السوريون – ربما حتى هذه اللحظة –  ضدها مقاومة فريدة ورفضا كبيرا مقارنة بحجم التجييش والجرائم اللذان يقوم بهما النظام، هذه الدعوات على محدوديتها إضافة للتسلّح عامة وغير المنظّم والمضبوط منه تحديدا والنبرة الاستجدائية للغرب والخلافات العميقة عند المعارضة مع ضعف الأداء، كل ذلك قد يؤدّي إلى ما أطلقت عليه في العنوان: “لَبْنَنَةُ الثورة السورية”.

والمقصود باللبننة أو السيناريو اللبناني هو الحالة التي نرى تراكماتها اليوم في لبنان بلا أدنى شك، والتي انفجرت في 1975 عند قيام اللبنانيين بالاحتراب فيما بينهم بداية حول قضية وطنية، قد يكون الانقسام حولها في ذلك الوقت طائفيا ولكن لم تكن تلك القضية المعْلَنَة على الأقل، والانقسام كان على أساس مع أو ضد وليس على أساس الانتماء ظاهريًّا، ولكن سرعان ما تحوّل هذا الاحتراب إلى حرب أهلية بين الطوائف كلّها حول الوجود الكياني لكل طائفة، وأحيانا جماعة معيّنة داخل الطائفة، ليدخل البلد في دوامة طويلة من الصراعات الطائفية غير ذات الهدف سوى القتال الطائفي نفسه أودى بحياة مئات الآلاف، ليجلس الجميع في النهاية على طاولة يتفاوضون فيها حول اقتسام السلطة، دون أن يكون هناك مذنب (سوى من رفض هذا الاتفاق حينها، ميشيل عون تحديدا) بعد أن تلّخطت أيدي الجميع بالدماء، وضاع الخلاف الأصلي في دهاليز الطائفية. وما أشبه لبنان اليوم بلبنان 1975، سوى أن موازين القوى قد اختلفت، وما كان قوة عسكرية وسياسية مطلقة بيد “أقليّة” طائفية مارستها ضد الأكثرية بشقّيها المذهبيّيْن، أصبح قوة متفاوتة التوزيع بين الطوائف جميعا، مع أرجحية عسكرية كبيرة لإحداها أُبْقِيَت بحجة الممانعة والمقاومة.

لم تكن الثورة السورية قريبة أبدا من السيناريو اللبناني ولا لحظة واحدة طوال الأشهر الأولى للثورة وحتى فترة قريبة. ثورة سورية هي ثورة شعب، عابرة للطوائف والعرقيات والطبقات، تطالب بالحرية ضد نظام مستبدّ لم يميّز أبدا باستبداده على أساس طائفيّ أو عرقيّ أو طبقيّ. لم تكن الثورة السورية صراعا بين جماعتين، بل كانت ثورة شعب حرّ ضد سلطة مستبدّة، وأكثرية متفرّجة كانت أعدادها تقلّ شيئا فشيئا منضمّة لثورة الشعب الحرّ. ما كانت الثورة السورية نزاعا بين متحاربيْن، بل كانت مواجهة بين بربرية وإجرام النظام ضد شعبه الأعزل الذي لم يرمِ حجرًا في وجه القامعين، ومن كان يرفض إطلاق النار على شعبه يُقْتَل. هكذا كانت الثورة، ولم تكن تشبه أبدًا ما جرى في لبنان. ولكن طبيعة المشرق العربي، كما يذكِّر دوما د. عزمي بشارة، كانت تحمل في طياتها احتمال “اللبننة” وهو ما سعى إليه النظام منذ اليوم الأول ويبدو أننا أصبحنا قريبين منه إن لم نتدارك الأمور، إن بقي ما يمكن تداركه.

لا يوجد هناك إرادة دولية لترجيح كفّة الثورة السورية بالحسم، بل هناك تواطؤ واضح لتوفير فرص الحياة للنظام دون السماح له بالحسم تماما. إنها لعبة دولية تحقّق أكثر من هدف لا يتسّع المجال لذكرها جميعا هنا، ولكنها تهدف في النهاية إلى إضعاف سورية ثم التحكّم بالأطراف السورية جميعها لفرض حلّ ينهي “الفوضى” عندما يحين وقت ذلك دوليّا وإقليميّا. لقد أصبحت الثورة السورية (أو الحرب الأهلية السورية كما يودّ الغرب أن يروّج لها) ورقة تقدَّم في بازارات التوازنات الدولية، تماما كما كان (ولا زال) لبنان، وما يسعى إليه النظام الآن هو أن يفرض نفسه (كَذِبًا) ممثّلا لإحدى الطوائف المشتركة في هذا الصراع ضمن نظام محاصصة طائفي قد يُفْرَض على سورية مستقبلا لإنهاء الاقتتال وضمان الاستقرار، ويصبح الأسد أو من ينوب عنه في المفاوضات أميرًا من أمراء الحرب جلسوا على طاولة الحوار ليحققوا السلام مقابل منصبٍ ونفوذٍ مناطقيٍّ-طائفيٍّ، تماما كما جرى ويجري في لبنان.

لم نصل إلى حتمية وقوع هذا السيناريو بعد، وبالإمكان تجنّب هذه النتيجة بإعادة الدفّة إلى مسارها الرئيسي. يحتّم ذلك ثلاث مسؤوليات رئيسية على القوى الثورية ومن ناصرها: الأولى هي الارتقاء بالشعارات لتكون جامعة لكل السوريين، عاكسة للأهداف التي تهمّ كل السوريين مثل الحرية والديمقراطية والمواطنة والكرامة، ويجب أن ينعكس ذلك على الخطاب الإعلامي. الثانية هي الحدّ من مظاهر التسلّح وتنظيم حمل السلاح ليقتصر حصرا على تنظيم الأمن في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، والدفاع عن النفس بالمعنى الضيّق والمباشر لهذا المصطلح. أما الثالثة فهي أن تنظّم قوى المعارضة نفسها لتشكّل إطارًا تمثيليًا واحدًا يتفّق على العموميات تحت شعار واحدٍ واضحٍ مناوئٍ للنظام بحيث يشعر كل سوري ضد النظام أن هذا الإطار المعارض يعكس آماله العامة، ومن شأن إيجاد هذا الإطار المشترك منع تعدّد الفرقاء والذي قد يجعل النظام فريقا ضمن مجموعة بدلا من مستبدّ يقتل شعبه. إن منع “لبننة” الثورة السورية هي مسؤولية كل سوري، أما الدفع باتجاه اللبننة فهذا لن يخدم سوى النظام، والمشكلة بأن الطائفيين والفئويين المحسوبين على الثورة والمتطفلّين عليها من حيث يدرون أو لا يدرون يقدّمون للنظام طوق النجاة. وأكاد أجزم أن انتكاسات الثورة في سورية تنعكس انتكاسات على الربيع العربي بأكمله، وما مصر عنا ببعيدة. عاشت سورية حرة!

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: