Skip to content

عن الطائفية .. في ذكرى استقلال سورية

17 أبريل 2012
باختصار

في 17 نيسان من كل عام يحتفل السوريون بذكرى جلاء آخر جندي مستعمر عن الأرض السورية في عام 1946. إن رمزية هذه الذكرى تتضمّن فيما تتضمّنه الكثير من المعاني والتضحيات التي قدّمها السوريون منذ أن حطّت القوات الفرنسية أقدامها على الساحل السوري بانتداب فُرِض لاحقًا على المملكة العربية السورية آنذاك، مرورا بمعركة ميسلون الخالدة في 24 تموز 1920 والتي قادها وزير الدفاع آنذاك يوسف العظمة واستشهد فيها، ثم الثورة السورية الكبرى وغيرها من النضالات المدنية والسياسية والمقاومة الشعبية، وانتهاء بالجلاء النهائي في 17 نيسان. ولكن في صلب هذه الرمزية معنى هامًا جدًا يبدو أن التذكير به في هذه الظروف بالذات هو أفضل ما يمكن فعله في هذه المناسبة. لقد كانت مقاومة الفرنسيين، إضافة إلى كونها معركة حول استقلال البلاد عن المستعمر، معركة أخرى حول وحدة السوريين وأرضهم منذ بداياتها الأولى وحتى تحقّق النصر لأصحاب الحق.

لقد سعى المستعمر الفرنسي إلى تفتيت النسيج الاجتماعي السوري بل وتقسيم الأرض السورية ما استطاع. وأول ما قام به هذا المستعمر بعد إسقاط المملكة العربية السورية هو تقسيم سورية الطبيعية الواقعة تحت إدارته إلى ستة أقسام على أساس طائفي-جغرافي: دولة دمشق، دولة حلب، دولة العلويون، دولة جبل الدروز، دولة لبنان الكبير، وسنجق الإسكندرونة. وظلّت سورية لسنوات عديدة مقسّمة على هذا الأساس، وظلّ السوريون ثائرين على هذا التقسيم رافضين أن يُقَسَّم أبناء الوطن الواحد إلى أن استطاعوا أن يوحّدوا سورية مجدّدًا في دستور 1936 والذي أسّس لسورية التي نعرفها اليوم ضامّة دولتيْ دمشق وحلب ومحافظة الجزيرة والساحل (دولة العلويين) وجبل الدروز، ورفض المستعمر الفرنسي أن يكون لبنان جزءًا من هذا الاتحاد وكرّس الجمهورية اللبنانية التي نعرفها اليوم. كما قدّم المستعمر لواء الإسكندرون إلى الأتراك (بعد أن قدّم أقاليم سورية الشمالية قبلها).

إذاً، المعركة ضد المستعمر كانت معركة شعب واحد على أرض موحّدة رفض التقسيم رغم التمايزات الطائفية التي لم يجدها أجدادنا حاجزًا مانعًا للعيش في وطن واحد بآمال واحدة وأحلام مشتركة ونضال تخضّب بدم واحد هو الدم السوري الذي لم يعرف طائفة. هكذا رأى الجميع أن سورية هي لكل السوريين، وتسع كلّ السوريين، وتستحقّ تضحية كل السوريين. وفي ظلّ الظروف الحالية التي تمرّ بها سورية، وانتفاضتها الشعبية على الاستبداد والقمع والهمجية، ترتفع الأصوات حول الموضوع الطائفي مجدّدا. وهذا أمر مفهوم في ظل التحريض الطائفي الإعلامي والسياسي الذي يتّبعه النظام منذ اليوم الأول للثورة السورية، بل وهناك أدلة كافية تشير إلى أن السياسة الأمنية القمعية للنظام في بعض المناطق السورية ركّزت على إثارة الضغائن بين السوريين على أساس طائفي. ولا يساعد في التغاضي عن هذه النقطة الاصطفاف الإقليمي الداعم للنظام السوري، والذي قد يبدو للوهلة الأولى ذا بُعْدٍ طائفي. كلّ ذلك مفهوم، ويصبح مفهوما أكثر عندما تكثر التضحيات والدماء المراقة، وتصبح اللغة العاطفية-الغرائزية طاغية على صوت العقل والحكمة في لحظات كثيرة، بعض هذه اللغة يظلّ منضبطا بالأخلاقيات التي تحافظ على الجامع الأكبر بيننا نحن السوريين فيأخذ طابعا ليّنا معاتبا، والبعض الآخر يفلت من هذه الضوابط ويقع في محظورات الشحن الطائفي والتعميمات المقيتة والاتهامات الباطلة التي لا تخدم في النهاية الهدف الأكبر بكل تأكيد.

ما يهمّ طرحه في هذا الصدد الآن هو نقطتان: أما الأولى فهي توصيف حقيقي للأحداث الراهنة وبالأخص تلك التي تسمّى بـ”ذات الطابع الطائفي”، وأما الثانية فهي وضع إطار عام يسمح لتداول المواضيع الطائفية وظواهرها دون إسفاف يستفزّ شرائح المجتمع المختلفة وذات العلاقات البينية المهترئة أصلا، وفي نفس الوقت دون الهروب إلى الأمام بخطابات إنشائية ومجاملات من نوع “السوريون لم يعرفوا الطائفية يومًا” لأن ذلك سيسمح للمشكلة بالتفاقم دون معالجة سريعة لن تتوفّر حتما إذا لم يتم التشخيص المنصف الموضوعي مهما كان مؤلمًا.

أما ما يجري، فلا يمكن إنكار أبدًا أن هناك عاملاً طائفيًا في المعادلة السورية برز بشكل أكبر في خضمّ ثورتها المشتعلة. ولكن يخطئ من يعتقد أن أساسَ ما يجري طائفيٌّ وإن كان النظام وبعض الأطراف المحسوبة على الثورة تريده أن يبدو كذلك. أما النظام، فهو يتكوّن من حكم مافيوي قائم على العائلة وقراباتها والمتنفّذين في دوائرها المقرّبة إضافة لبعض التجار المرتبطة مصالحهم مع النظام وبعض “الموظفين” الذين ينفّذون الأوامر دون هامش مناورة كبير يملكونه. صودِف أن هذه العائلة الحاكمة تنتمي إلى إحدى الطوائف في هذه البلاد، وبالتالي فإن حلقات القوى القريبة من العائلة وخاصة في الجانب الأمني (الذي ينبغي أن يحوز على ثقة الحاكم الديكتاتوري) ارتبطت بعلاقات قرابة مع هذه العائلة أو تشارك في الانتماء الطائفي. رأينا نفس الظاهرة تتكرّر في معظم الدول القمعية: ليبيا القذافي كانت كذلك، تونس بن علي والطرابلسي كانت كذلك، يمن علي عبد الله صالح كان كذلك، وحتى عراق صدام حسين كان كذلك .. وكل هذه أنظمة تنتمي إلى طائفة أخرى يُفتَرَض أنها في صراع مع الطائفة التي يمثّلها الأسد. هكذا تنسج الديكتاتوريات “مؤسساتها”، وسورية ليست استثناء. بل أننا نرى أن زوجة الديكتاتور السوري تنتمي إلى الطائفة المقابلة، وكذلك نائبيْ الرئيس وأرفع وزرائه وبعض أهم ضبّاط أمنه. الآن، هذا النظام يواجه ثورة شعبية ويهمّه أن يعزل أكبر قدْر من الشرائح المجتمعية عن دعم هذه الثورة، لذا فإنه يبدأ بنشر بروباغاندا خاصة به تهدف إلى تخويف طوائف معيّنة من الحراك الشعبي، ومن ثم تسليح هذه الطوائف وربما تسريب بعض المقاطع التي حوت تنكيلا وإهانات للمواطنين لزيادة الاستقطاب على أساس طائفي، وهو استقطاب يستفيد منه النظام دون أن تستفيد منه الطوائف التي يستخدمها، بل يزيد شقاؤها وعزلتها.

يبدو الأمر ظاهرا جدا في الفقر الذي تعيشه قواعد هذه الطوائف مقارنة بالغنى الفاحش للعائلة الحاكمة، وفي الدفع ببعض شبابها إلى الواجهة، وتوريط مناطق ذات غالبية من الطائفة بأعمال غير مسؤولة قام بها “زعران” أو حتى مسؤولون أمنيون لا يمثّلون حقيقة هذه الأحياء. ولا أتكلّم هنا عن الآراء السياسية، بل أتكلّم عن أعمال قتل وقمع وتنكيل وإهانات. وأخيرا، فإن قوى إقليمية تجمعها مصالح مع النظام قبل الثورة وصَدَف أنها تنتمي لطائفة قريبة من طائفة النظام تقرّر الاصطفاف مع النظام بعد الثورة والمساهمة ربما في قمع الحراك الشعبي، وهو موقف لا أخلاقي ولا قانوني لن ينساه السوريون بكل تأكيد. هنا يذكر البعض إيران وحزب الله، ولكن ينسون – على سبيل المثال – أن روسيا والصين وفنزويلا تتخذ نفس المواقف وبناء على المصالح أيضا وليس الطائفة. إذاً، هو نظام يستخدم الطائفة في صالحه، وليست طائفة تستخدم النظام في صالحها .. هو نظام تهمّه مصلحته في النهاية ولن يتوانى عن قمع أبناء الطائفة ذاتها المتّهم بتمثيلها، وقد فعلها سابقا بضراوة تعادل ضراوة قمعه للطوائف الأخرى. ومع ذلك، لا ينبغي أن ننكر أن النظام نجح كثيرا في استغلال الطائفة وزيادة الاستقطاب الطائفي في المجتمع السوري بشكل يخدم هدفه بقمع الثورة. ولإنجاح الثورة ينبغي أن نواجه داء النظام بالمصل المناسب، وهو تعزيز اللُّحمة الوطنية والعلاقات البيْنية بين السوريين عودة إلى شعارات الثورة الأولى “واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد”. لنتذكّر جميعا أننا كما نحتاج إلى تجار دمشق وأثريائها – وهم من طائفة أخرى كما نعلم – لإنجاح الثورة وإسقاط النظام، فإننا نحتاج إلى مختلف الطوائف السورية الأخرى لتحقيق هذا الهدف أيضا .. والساحل ليس استثناءً بكل تأكيد.

إذاً لدينا مشكلة تستلزم تشخيصًا في البداية قبل أن نشرع في حلّها عن طريق إعادة توجيه الخطاب الإعلامي والسياسي بما يؤكّد على الترابط المواطني فوق أي رابطة أضيق، وإقامة مصالحة إجتماعية واسعة في مختلف المناطق السورية وخاصة حمص وحماه والساحل. إن هذا التشخيص يجب أن يُضْبَط بأدوات تضمن عدم تحقيقه الهدف المعاكس تماما لما يُرْجى منه. هذه بعض “المحظورات” التي ينبغي تجنّبها عند نقاش القضية الطائفية:

1- التجنّب التامّ للتعميم، وخاصة السلبيّ منه، والانتباه أن كل طائفة مثلها مثل “طائفتي” أو أي مجموعة أخرى، فيها الآراء جميعها من أقصى يمينها إلى أقصى شمالها، وأن هذا “الكلّ” الذي يُحاوَل تبسيطه بالتعميم هو عبارة عن أفراد مختلفين يفكرون بأشكال مختلفة وينتمون إلى أفكار مختلفة.
2- تجنّب النسخ والإلحاق، بمعنى أنه إذا قام الفرد “س” من الطائفة الفلانية بجريمة معيّنة، فالفرد “ص” من نفس الطائفة ليس مسؤولا عن هذه الجريمة. “لا تزر وازرة وزر أخرى”.
3- تجنّب التعريف بالانتماء الطائفي والتركيز على الانتماء المواطني. صحيح أن القضية المطروحة هي القضية الطائفية، ولكن النقاش الجاري يجب أن يقوم على أساس الانتماء المواطني بين سوريِّين، وليس على شاكلة “أمراء الطوائف”! ترتيب الأولويات يساهم في التركيز على الهدف.
4- تجنّب تزييف الادعاءات أو نشر الشائعات أو اختلاق الأحداث غير الدقيقة أو عديمة الأساس عن الطائفة الفلانية.
5- تجنّب طرح أي تمايزات على أسس ما دون-مواطنية بحيث تكون المواطنة هي معيار التفاضل الدائم، وما دون ذلك هو انتماءات اختلافها ظاهرة صحية تسهم في التنوّع وإثراء الثقافة والرصيد الوطني.
6- تأطير الطرح ضمن المسلّمات الوطنية لا المسلّمات الطائفية/الدينية/المذهبية، فالمشترك هنا هو الوطن، وهو ما ينبغي أن يكون مسلّما به من قبل الجميع، بينما “مسلّماتي الدينية” قد لا تكون مسلّمات لدى الآخر، ولا ينبغي فرضها عليه كمسلّمات بأيّ حال.
7- احترام مقدّسات ومسلّمات الآخر حتى لو لم تكن ذات قيمة بالنسبة لي، مع إمكانية نقاشها بكل تأكيد دون تجريح أو إهانة أو تحقير أو استفزاز.

في المقابل، فإن هامش النقاش واسع جدا ويشمل كل شيء ما خلا المحاذير السابقة. يمكن تسمية الأمور بمسمّياتها، ويمكن وضع الأصابع على الجروح كلّها، بل ينبغي فعل ذلك من أجل المصلحة الوطنية والحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي والتراب الوطني. إن الانتماءات الطائفية موجودة، ولن يستطيع أحد إلغاءها بسهولة، وليس في ذلك ضير. المشكلة تكمن عندما يصبح الانتماء الطائفي أكبر من الانتماء الوطني أو تصبح الطائفة ظاهرة سياسية ويصبح تصنيف الجماعات على أسس طائفية لا مواطنية. وفي رأيي المتواضع، ما زالت سورية بعيدة عن الانزلاق الكامل في الفخ الطائفي، ولكن البوادر التي نلحظها هنا وهناك تستدعي وقفة جدية صريحة للوصول للأهداف التي على إثرها انطلقت ثورة الحرية والكرامة، ومن أجلها ناضل أجدادنا ضد المستعمر!

3 تعليقات
  1. مها permalink

    «أحنا عايشين هنا ببركة ربنا.. أجابة فطرية تحمل الكثير من علامات الرضا، جاءت على لسان شاب فى منتصف الثلاثينيات، يدعى عوض حسان، راعى غنم، رداً على سؤال وجهته إليه منفعلاً «كيف تعيشون هنا؟!!!»، مؤكداً أنه يعيش فى هذا المكان منذ مولده، دون أن يشهدوا أى مسؤول أو تغيير فى حياتهم، منعدمة الخدمات والأساسيات،

    ويقول عوض الذى يعول زوجة و 5 أطفال بجانب والدته: « لم يكن أمامنا سوى أتخاذ هذه الأرض مسكناً ومحلاً للعمل حيث نعمل جميعاً إما فى رعى الأغنام للغير أو فى الزراعة » ، أنضمت لحديثنا «أم عوض» قائلة: «لو توافر معنا المال نرسل بعضنا لشراء الأرز والسكر والجبن والدقيق من سيدى برانى، أما إذا شحت النقود نكتفى بأكل العيش والبطيخ، الذى نزرعه ونخزنه ليبقى لدينا طوال العام».

    هنا تدخل الشيخ على عمر، عمدة العزبة قائلاً: «الخيام دى بتبقى شديدة الحرارة فى الصيف وقاسية البرودة فى الشتاء، كما أنها لا تقينا من السيول، التى عندما تهب علينا نتجمع كلنا فى مكان واحد لنحتمى ببعضنا البعض، حتى توقف الأمطار، والعام الماضى تسببت الرياح والسيول فى أصابة أحد أطفالنا بالشلل، كما أصيب آخر بالصمم…

    مزيد من التفاصيل فى مقال ( ثقافة الهزيمة .. الظلال فى الجانب الأخر ) بالرابط التالى

    http://www.ouregypt.us

  2. سوف يطل علينا من يطالب بتطبيق الشريعه الاسلاميه -وهذا حقه -فهل يجب ان نصنف هذه المطالبات ضمن الطائفيه ام ماذا

  3. عقاب الإسلام permalink

    بسم الله الرحمن الرحيم
    أحسنت أيها الكاتب في طرح هذا الموضوع و طرح الحلول له , إن المجتمع السوري كان دائما مجتمع الجسد الواحد , إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر و الحمى , و لكن من خلال ما نمر به الان من أزمة معقدة , فسنلاحظ أن المجتمع السوري بدأ يصبح أجساد مختلفة بعقول مختلفة , و كل ذلك بسبب بعض الخونة من كلا الطرفين و بسبب أخطاء شاسعة ارتكبت من كلا الطرفين , إذا أردنا مصلحة الوطن فعلينا أن نظل جسدا واحد مهما اختلفنا , علينا توعية الشباب السوري الذي بات متهورا بسبب خزعبلات الإعلام الغربي-العربي بما يحدث في سورية , ما يجري في سورية بات مؤلما جدا و يصعب تصديقه , كلنا الان نقول أهذه سورية ؟ , نعم إنها سورية التي أصبحت أكثر من فلسطين , للأسف .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: