Skip to content

سورية الثورة: في مبادئها وأهدافها، العنب لا الناطور

27 سبتمبر 2011

بعد مرور أشهر ستة كاملة على بداية ثورة الحرية والكرامة في سورية، وبعد هذا النضال الأسطوري للسوريين والذي يسطرونه بدمائهم كل يوم في ملاحم تضاهي الملاحم الإغريقية التي قرأنا عنها في الكتب، والفارق هنا أن هذه الملاحم حقيقية، وأبطالها حقيقيون، ودماؤهم حمراء فاقعة تخضّب التراب السوري الطاهر، وصرخاتهم تملأ سماء سورية الزرقاء، ودموع العزة والإباء التي يذرفونها مع خسارة كل وردة من ورود هذا الوطن تتساقط لتنبت أشجار الحرية والكرامة في كل مكان، حتى أنه لم يبقَ في سورية بقعة إلا ووصلتها رياح هذه الحرية. بعد كل ذلك، يقف المرء جامدا عاجزا عن مجاراة هذه البطولات أو توفير دعما مناسبا يليق بها. تتبادر أسئلة كثيرة في الذهن، ومع أن طول مدة الثورة يسهم في تربية الإنسان السوري في مدرسة مكثّفة من الوعي المدني السياسي يعوّض ما لحق بها من حرمان وهدم على مدى خمسة عقود، إلا أن طول المدة كذلك يساعد في نمو فطريات متطفلة على الثورة، سواء كان ذلك على شكل أشخاص يحاولون استغلال الثورة لمصالح شخصية، أو أفكار تحاول حرف الثورة عن مسارها حتى تتجه في مسارات أخرى لا ينبغي لها أن تسير فيها. وقيل: “الثورة يصنعها الحالمون، ويموت فيها الشجعان، ويستفيد منها الجبناء”.

لذا، رأيت أن أضع خارطة طريق تؤكّد على المسار الذي بدأنا فيه جميعا ثورتنا، وتوضّح اجتهادي في الطريقة المثلى للوصول إلى بر الأمان. وقسّمت هذه الخارطة إلى محاور أتناولها تباعا في عدة مقالات. كما أني أخذت في عين الاعتبار كل المستجدات التي طرأت على الحراك السوري حتى تاريخ كتابة هذا المقال، وقرأت أوراق ومقترحات قدّمها ساسة سوريين في هذا الخصوص قبل أن أخط التالي:

أولا: في مبادئ الثورة وأهدافها

إن الثورة السورية والتي كانت نتاجا لسنين عديدة من القمع والاستبداد، وشهدت إرهاصات متزايدة في شباط مستفيدة من موجة التغيير التي شهدتها الساحات العربية، ثم اندلعت أولى الاحتجاجات الرسمية في 15 آذار وتلاها اعتصام وزارة الداخلية في 16، ثم بدأت الانتفاضة بقوة دفعها الأساسية في 18 آذار في درعا وبقية المدن السورية التي تظاهرت يومها، إن هذه الثورة رفعت شعارا واضحا محدِّدة هدفين أساسين تمثّلا في: “الحرية” و “الكرامة” ردّده جميع السوريين في أنحاء البلاد من خلال هتافين شهيرين ميّزا ثورة سورية عن غيرها من الثورات: “الله سورية حرية وبس” و “الشعب السوري ما بينذل”. إذاً، خروج المواطن السوري العادي إلى الشارع كان من أجل هذين الأمرين، لا غيرهما. نريد أن نعيش بكرامة، نريد أن نعيش بحرية، هذا ملخّص الثورة في سورية. قام المثقفون السوريون والساسة من مستقلين وحزبيين في الداخل والخارج من خلال كتاباتهم وتصريحاتهم بتقديم مجموعة من المتطلبات التي يتحقّق من خلالها مطلبا الحرية والكرامة، وكان عنوان هذه السلة “إقامة الدولة المدنية الديمقراطية التعددية”. ثم ومع تصاعد حملة القمع تجاه المظاهرات خاصة في درعا، ظهر الهتاف الثالث المميّز للثورة السورية والذي كان بمثابة إنذار للنظام بأن شرعيته مرهونة بالحفاظ على أرواح شعبه، وإلا فإنه “خاين يللي بيقتل شعبه”، والخائن لا شرعية له في الحكم.

ظلّت الثورة حوالي شهرا كاملا لا تطالب بإسقاط النظام، وإنما تطالب بتحقيق الحرية والكرامة من خلال سلة المتطلبات التي كان أولها رفع حالة الطوارئ، مرورا بإطلاق المعتقلين والسماح بالتظاهر السلمي، وانتهاء بوضع دستور جديد يسمح بانتخابات ديمقراطية تعددية تتيح تداولا سلميا للسلطة. ووضع الثوار لأنفسهم مرتكزات ثلاثة كشروط لاستمرار الثورة وتحقيق أهدافها تمثلت فيما عرف لاحقا باللاءات الثلاث: “لا للعنف، لا للطائفية، لا للتدخل الخارجي”. وبين هدفي الحرية والكرامة المتحققان وجوبا في الدولة المدنية التعددية الديمقراطية، والمبادئ الثلاثة آنفة الذكر، انطلقت الثورة، وانطلقنا معها داعمين ومؤيدين ومساندين، وانطلقت إبداعات السوريين الإعلامية والفنية والأدبية تدور في هذا الفلك، راسمة فسيفساء جميلة لملحمة تاريخية ستستمر لستة أشهر لاحقة على الأقل، مؤسِّسة سورية حرة مبدعة مشرقة مختلفة عن سورية التي أرادها الطغاة في نصف القرن الذي خلا.

إن نجاح ثورتنا في الوصول إلى أهدافها مرهون حتما بالالتزام بمبادئ الثورة الثلاث، بل إن نجاح الثورة نفسها مرهون بالالتزام بأهدافها. يجب أن نتذكّر جميعا أن هدف الثورة هو تحقيق الدولة المدنية الديمقراطية التعددية، وأن إسقاط النظام ما هو إلا وسيلة في سبيل تحقيق هذا الهدف. يجب أن ننتبه جميعا أنه إنْ كان في إسقاط النظام (أو وسيلة إسقاطه) خطر على تحقيق الدولة المدنية الديمقراطية التعددية فإننا نكون قد حرفنا الثورة عن مسارها الأصلي، وقدّمنا الوسيلة على الغاية. فلنعِ جميعا أننا نريد أن نأكل العنب، لا أن نقتل الناطور .. وإن قُتِل الناطور خلال ذلك “حدّو ستين جهنم” ولكن الغاية هي العنب. عندما نأخذ هذا في عين الاعتبار، حينها يمكننا أن نخلق الوسائل القادرة على إسقاط النظام من أجل تحقيق الدولة المدنية الديمقراطية التعددية.

إن الارتكاز على اللاءات الثلاث ليس تكتيكا مرحليا يتغيّر بتغيّر الظروف، بل هي أساسات تم البناء عليها، وتغييرها يعني حتما هدم ما بُنِي، وربما إسقاط البناء كاملا. أتفهّم أن التجارب العربية وخاصة الليبية تُسيلُ لعاب الكثيرين من المستعجلين من أجل إسقاط النظام، ولكن يفوت أولئك أن تجربة ليبيا مختلفة عن ثورتنا في سورية، وأن المدة الزمنية في الثورات العربية هي استثناء للمدة الزمنية في عمر الثورات عموما، فعادة ما تأخذ الثورة شهورا وأحيانا سنين عديدة حتى تحقق أهدافها. مخطئ من يعتقد أنه يستطيع إسقاط المثال الليبي على ثورتنا في سورية، فلا النظام الليبي مثل النظام السوري، ولا الظروف الإقليمية الليبية تشابه الظروف الإقليمية السورية، ولا التركيبة السكانية والسياسية الليبية تشبه التركيبة السكانية والسياسية السورية، ولا جغرافية ليبيا تشبه جغرافية سورية، ولا تتطابق مجريات الثورة الليبية مع مجريات الثورة السورية.

ولن أخوض طويلا في مقارنة بين ثورة ليبيا وثورة سورية، ربما أفرد لذلك مقالا منفصلا، ولكن إن كان هناك حقا ثورة شبيهة بالثورة السورية – مع التأكيد على فرادة وخصوصية الثورة السورية – فإنها ثورة الإيرانيين على الشاه عام 1979. ويا حبذا لو يتوسّع الكتّاب والمفكرون والسياسيون في طرح أوجه التشابه بين هاتين الثورتين والدروس التي يمكن الإفادة منها في تخفيف معاناة السوريين وخسائرهم وتعجيل الفترة الزمنية. يجب أن نتذكّر جميعا أن السوريين عندما خرجوا في مظاهراتهم في آذار وبعده فإنهم لم يكونوا في انتظار استقبال الأمن والشبيحة لهم بالأزهار والورود، بل كان جلّهم يعلم مستوى القمع والتنكيل الذي ينتظرهم. وطبعا لا يجب أن يدعونا هذا للاستسلام، بل مطلوب منا السعي لتقديم الحلول وبذل الجهد ليلا نهارا للحفاظ على كل قطرة دم سورية، ولكن على السوريين أن يتوقّعوا نضالا طويلا نسبيا، يسعون فيه لتحقيق حريتهم وكرامتهم بأنفسهم .. لا أن يمنحها لهم أحد على طبق من ذهب.

في المقال القادم سأتناول محورا آخرا يتعلّق بتشكيل المجالس وتمثيل الثورة. عاشت سورية حرة!

7 تعليقات
  1. emd permalink

    salamat sayed fadi 3ajabni kteer mawdu3ak shukran kteer-bass 3endi mula7aza kteer kbeera 3an il sawra bayen kawsayen il iranye bi iran ma kan fi sawra wala shi il 8areb 7at il 5umaini alqazer laydanner iran -iran kanet dawli munfati7a saret dawlrt 7ashasheen wa dur mut3a wa tadmeer lil bilad wal fasad wa dareb qewa il ta7arrur metel ma sar bi lubnan ma3 7ezeb il shitan taba3 nasralla-salamat ya sadiqi

  2. تحياتي أستاذ عماد. أختلف معك، خصوصا وأنه كما هو معلوم لنا أن نظام الشاه في إيران كان حليفا أساسيا للغرب وبالأخص أميركا. أعتقد أن الثورة في إيران (وهي ثورة قام به كل الشعب الإيراني وشارك بها الشيوعيون بكثافة قبل أن يتم إقصاؤهم لاحقا) كانت محرجة للغرب، ولكنه حتما استطاع التأقلم معها لاحقا ووظّفها بالشكل الذي يفيد مصالحه بالمجمل .. وعموما هذا ليس موضوعنا الآن. المهم أن يستفيد السوريون من تلك التجربة في نضالهم ضد النظام حتى تحقيق الحرية والكرامة.
    دمت بود وأشكر مرورك، أسرّ به على الدوام

  3. mahmoud permalink

    لا قداسة لأي لغة يتكلمها البشر ولو كانت اللغة العربية التي تكلم بها القرآن الكريم!. اللغة هي عبارة عن وعاء يحتوي أفكار وفعالية أصحابها فإذا كان هناك قداسة فالقداسة لنوعية الحركة التي تعكس أفكار ونتائج هؤلاء المتكلمين بهذه اللغة مقاسة على معايير القيم والمباديء والأخلاق، واللغة يصنعها البشر كل أمة حسب الموقع الجغرافي الذي تحتله وهناك عدة عوامل تلعب دوراً رئيساً في تشكيل وخلق اللغات ربما درجة الحرارة والطقس وطبيعة المنطقة صحراوية أو سهلية خضراء خصبة أو جبلية وعرة فيها مياه وأنهار أو قاحلة قليلة المياه وهكذا….الخ.. أول ما وجد الإنسان على الأرض لم يكن يتكلم وظل هكذا لفترة طويلة جداً ثم عندما بدأ يصيت صار يصدر أصواتاً مفردة مثل ا ، و ، ي ، خخخ .. ثم بعد مرور زمان طويل أيضاً صار يجمع صوتين مع بعض مثل: وا ، وي ، لي ، لا ، وهكذا بدأت تتشكل صيغ الأفعال والأسماء وهكذا مر وقت طويل حتى وصلت اللغة لهذا التنوع وخلق إمكانية التعبيرعن اي فكرة…وقد قال الله عز وجل: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم…) إذاً لم يخاطب الله البشر إلا بعد أن صاروا يتكلمون ويفهمون التعابير.

    • تحية لك أخي محمود. أشكرك على تعليقك، رغم أنه لا علاقة له بموضوع المقال. ربما نتناقش في موضوع اللغة العربية واللغات بشكل عام في مناسبة أخرى، خاصة إذا كان موضوع المقال متعلق بذلك. أسعدني مرورك.

Trackbacks & Pingbacks

  1. سورية الثورة: في تمثيلها وقيادتها، دعم لا احتكار « مـدونــة رمــق عــربــي
  2. سورية الثورة: في نجاحها ومرحلتها الانتقالية، الحلّ سوري « مـدونــة رمــق عــربــي
  3. سورية الثورة: في نجاحها ومرحلتها الانتقالية، الحلّ سوري | هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: