Skip to content

بين الإصلاحات الترقيعية والنبرة التهديدية .. الثورة مستمرة

7 أبريل 2011

سريعة هي الأحداث التي تشهدها سورية الحبيبة، وأمام الدماء الطاهرة التي تخضّب التراب السوري الغالي، وأمام شجاعة شابات وشبّان الوطن الذين خرجوا بصدورهم العارية يتحدّون الظلم والاستبداد والذل والطغيان المصحوب برصاص جبان وأكاذيب تثير الاشمئزاز وإعلام وقح وتصريحات أوقح، أمام كل هذا يصعب أن يجلس المرء ليكتب مقالا، فالكلام الإنشائي غير مجدٍ في أحيان كثيرة، خاصة إن لم يحمل جديدا أو يضيف شيئا مفيدا .. وتضحيات أحرار سورية وشرفائها تصعّب من ذلك، فيصبح اللجوء إلى وسائل أخرى أكثر نجاعة وعمليّة في خدمة القضية.

ولكن بعد أن انقضت أكثر من ثلاثة أسابيع على هذه الثورة المباركة، بجُمَعِها الثلاث حتى الآن: جمعة الكرامة وجمعة العزة وجمعة الشهداء، لا بد من وقفة يتم بها ترتيب الأوراق وتكرار ما ينبغي تكراره وتوضيح ما يلزم توضيحه والتعليق على ما يستحق – أو حتى لا يستحق – التعليق عليه. هذا الأمر هام جدا، لأن سورية اليوم ليست سورية قبل شهر، وما كنا نفكّر ألف مرة قبل كتابته لنقرّر أنكتبه أم لا، أصبح ذكره الآن دون لبس أو مواربة من الأهمية بمكان. وإن كنا تطرقنا في السابق عن الإصلاح في سورية بعجالة واقتضاب دون إفراد المساحة التي تستحقها هذه القضية الهامة جدا، فاليوم يصبح الحديث عن الإصلاح “التغييري” واجبا ملحّا، خاصة في هذه اللحظة.

محطات كثيرة هي التي مرّت بها “ثورة قاسيون” – كما أحب أن أطلق عليها، نسبة إلى جبل قاسيون الشامخ في دمشق الشامخة، الشاهد على ممارسات 48 عاما، محفورة في حجاره عصيّة على النسيان. أمور كثيرة يمكن الحديث عنها، بل وينبغي الحديث عنها عاجلا أم آجلا، ولكني سأكتفي هنا بسرد سريع للأحداث مع التركيز على الأفكار التي يهمني تناولها في هذه المرحلة، وربما تسنح لي الفرصة لاحقا لأتناول التفاصيل بمساحة أكبر من هذه. أولى محطات هذه الثورة بدأت يوم 15 آذار بمظاهرة ربما لم يتجاوز عديدها 250 حرّا من أحرار دمشق، تظاهروا في منطقة سوق الحميدية مطالبين بالحرية ورافضين أن يذلّ الشعب السوري. هذه المظاهرة، والاعتصام أمام وزارة الداخلية الذي كان يوم 16 آذار – والذي ربما لم يتجاوز عدد معتصميه 150 شخصا– كانا الشرارة التي أشعلت هذه الثورة. ولكن لم تبدأ الثورة حقا إلا في جمعة الكرامة، 18 آذار، والتي شهدت خروج المئات في مناطق سورية عديدة، أبرزها دمشق وبانياس وحمص ولكن الأبرز كانت درعا حيث قدّم أهل حوران أربعة شهداء بعد أن استخدم الأمن الرصاص الحي في مواجهة المظاهرة الألفية السلمية التي كانت تردد “خاين يللي بيقتل شعبه”. وعندما ذهب أهل حوران ليشيّعوا شهداءهم، واجههم أمن النظام السوري بمزيد من الرصاص الحي ليستشهد المزيد، وتتصاعد الاحتجاجات في درعا حتى ارتكب النظام السوري مجزرة الجامع العمري يوم الأربعاء 23 آذار، والتي بلغ شهداؤها 37 شهيدا حسب الأرقام الرسمية، ولكن ما سمعته من بعض الدرعاويين هو أن الشهداء قد بلغوا قرابة 150 شهيدا.

هذه كانت أولى المحطات، واستخدام الرصاص الحي والعنف المفرط قد أسّس لقيام ثورة شاملة في مختلف أرجاء القطر السوري، وكان لدرعا السبق. وبعد حديث النظام السوري وإعلامه – الحكومي والخاص – الكاذب لدرجة الغثيان عن مؤامرات ومندسين وعناصر خارجية ولم يبق غير أن يقولوا فضائيين قد فعلوا وحرّضوا، أقول عقب هذه الروايات المتناقضة والكاذبة جميعها والمهينة للشعب السوري، اضطر النظام السوري أن يُخْرِج على أسماعنا السيدة بثينة شعبان لتعقد مؤتمرا صحفيا، وهي التي لا تحمل أي صفة رسمية فاعلة في النظام غير أنها مستشارة الرئيس، وهذا أسلوب مهين جدا من نظام لا يحترم شعبه لكي يسفّه ما يحصل والدم النازف ولا يبدي جدية في التعامل مع الاحتجاجات. خرجت السيدة شعبان لتملي على أسماعنا ما قيل أنه خلاصة ما اتفقت عليه القيادة القطرية (ولماذا تتحكم القيادة القطرية بمصير السوريين؟!! أليس في البلد رئيس وحكومة ومجلس شعب؟!!). ما قيل كان دون ما يمكن سماعه حتى (وليس ما دون المطلوب!)، فالقرارات التي لم ينفّذ منها حتى الآن إلا قرار “رشوة” السوريين برفع مرتباتهم، ارتبطت جميعها إما بتشكيل لجان أو “دراسة” وكأن الوضع في سورية يحتمل التسويف الذي سمعه السوريون على مدى 11 عاما. وعلى الرغم من أن قرارا برفع حالة الطوارئ قد اتُّخِذ حقا من قبل القيادة القطرية عام 2005 كما قال الرئيس الأسد نفسه، إلا أن نفس القيادة ارتأت دراسة رفع حالة الطوارئ عام 2011 .. ولماذا يجب أن نثق بالنظام هذه المرة؟ وأكدّت السيدة شعبان على أن حرية التظاهر مكفولة وتعهّدت بعدم التعرّض للمتظاهرين.

مثّلت جمعة العزة يوم 25 آذار أول فرصة لاختبار صدق النظام – وهو اختبار كنا نعلم أن النظام سيفشل به لمعرفتنا بعقلية هذا النظام وبقية الأنظمة التي على شاكلته – وصدقت توقعاتنا، وارتكب النظام المزيد من المجازر، وكان أحدها مجزرة الصنمين في محافظة درعا والتي استشهد فيها حوالي 20 شهيدا. خرج في سورية في جمعة العزة حوالي 300 ألف سوري متحدين الخوف والقمع والقتل، ملخصين مطالبهم كلها بكلمة “حرية”، ولا نطلب غير الحرية، مرددين “بعد اليوم مافي خوف” وصدقوا. لم أرَ السوريين متحررين من خوفهم كما رأيتهم يوم 25 آذار، بل ولم أراهم مبتهجين ويشعرون بالكرامة كما رأيتهم يوم 25 آذار. كانت الصور والفيديوهات التي تصلنا، والنقل الشحيح جدا الذي قام به بعض القنوات الفضائية – ومنها قناة الجزيرة التي لنا عليها عتب كبير جدا – يشعرنا بالعزة والألم في آن! عزة بأن حلم الحرية أصبح واقعا سوف نعيشه قريبا لا مراء، وألم على دماء الشباب التي تهدر قرابين لهذه الحرية. واستغراب أيضا من أسلوب تعامل النظام مع الثورة بشكل يكاد يتطابق مع أسلوب الأنظمة العربية التي سبقته، وكأنه لم يتعلّم شيئا! كيف يتعلّم، وكان هناك من يصرّح بأن “سورية لديها مناعة” و “الإصلاح في سورية لن يتحقق إلا في الجيل القادم” .. هذه عقلية لا يمكنها أن تتعلّم.

كل سورية خرجت في جمعة العزة، وبدلا من الشروع في تنفيذ مطالب الثورة، يرتكب النظام مجزرة ثالثة في اللاذقية، ويحاول جرّ البلاد إلى فتنة طائفية غريبة عن سورية ولا يعرفها السوريون. كانت اللاذقية علامة المحطة الثالثة من الثورة، وإنتفاضتها المفاجئة للنظام والمرعبة في نفس الوقت، ولكنها لم تكن مستغربة من اللاذقانيين الأحرار. وأمام تصاعد الأحداث وتحوّل “الاحتجاجات” في سورية إلى ثورة شعبية حقيقية أصبحت الآن تشمل محافظتين كاملتين ناهيك عن بقية المناطق، قرّر الرئيس السوري أخيرا أن الشعب يستحق أن يسمع منه خطابا عن هذه الأحداث. وعلّل الرئيس تأخر خطابه بأنه أراد الانتظار حتى تتضّح الصورة لديه، ولكن بعد سماع الخطاب لا أدري إن كانت الصورة قد اتضّحت فعلا! الخطاب، الذي تخلله فواصل تمجيدية نفاقية من نواب الشعب بشكل يثير الاشمئزاز (وأنا بكل أمانة أتمنى من كل قلبي أن يكون الرئيس على علم بأنهم ينافقون له، وأنهم كاذبون، وأنهم أول من سيتخلون عنه إذا انقلبت الموازين)، والذي سبقه أيضا مسيرات تأييد “مليونية” تم إجبار معظم من فيها على الخروج من خلال الترهيب أو الترغيب، والتي لم يُجْرَح فيها شخص واحد رغم أنها مليونية (في مقابل القتل الذي يحصل في كل مظاهرة مناهضة للنظام!! فما هذه العصابات المسلّحة التي لا تقترب من مسيرات التأييد؟!! إلا إذا كان المقصود بالعصابات المسلّحة هو عناصر الأمن وأزلام النظام؟!)، أقول هذا الخطاب لم يحمل خطوة إصلاحية واحدة، وأفضل وصف له أنه مخيب، وفاق مؤتمر السيدة شعبان سوءا على سوئه! وأسوأ ما فيه هو النبرة التهديدية للشعب السوري من خلال تخوين من يخرج متظاهرا مطالبا بالحرية، لأن ذلك “مؤامرة” على سورية كما يعتقد الرئيس. لن أتحدّث أكثر عن الخطاب فصوت الشعب كانت أبلغ تقييم له.

خرجت اللاذقية رافضة للخطاب، وقوبِلت بالمجازر مجددا، ليستشهد قرابة 15 شهيدا، ذنبهم الوحيد أنهم رفضوا الخطاب. ومع ارتفاع حصيلة الشهداء في هذا الأسبوع، كان لا بدّ من جمعة للشهداء يوم 1 نيسان تكريما لهم وتأكيدا على أن دماءهم لن تذهب هدرا، لتبدأ المحطة الرابعة من الثورة. جمعة الشهداء كانت أكثر زخما من الجمعة التي قبلها، وتأكّد تماما كسر حاجز الخوف لدى السوريين المتظاهرين. تظاهرت كل سورية، وعلا هتاف “من القامشلي لحوران، الشعب السوري ما ينهان”. وهذه الجمعة كانت جمعة دوما التي قابل الأمن وأزلام النظام فيها المظاهرات السلمية واعتصامها المسائي السلمي بالرصاص الحي فاستشهد 9 حسب الأرقام الرسمية حتى الآن. وكان الرد مدويّا يوم الأحد بخروج خمسين ألف دوماني (وقيل مئة ألف) لتشييع الشهداء يصرخون بصوت واحد “حرية، حرية” … فهل وصلت الرسالة أيها النظام السوري؟

إن أي إصلاحات حالية يقوم بها النظام هي إصلاحات ترقيعية ما لم تحقق المطالب الشعبية للثورة. استقالة الحكومة (أو إقالتها، فالحكومة لا “تقيم ولا تحط” في سورية) خطوة ترقيعية لأن الجميع يعلم أن الحكومة السورية هي ديكور للنظام، بل وتكليف الدكتور عادل سفر لتشكيل حكومة جديدة يشكّل استفزازا آخر كونه رجل النظام الذي شغل منصب وزير زراعة في الحكومة المقالة!! تشكيل اللجان هو حل ترقيعي سئم منه الشعب السوري، فلقد أمهل السوريون النظام 11 عاما لكي يصلح نفسه بنفسه، ولم يعد يحتمل الشعب أي تسويف. ورشوة السوريين خطوة مهينة جدا وفيها امتهان لكرامة السوريين مجددا، سواء كان ذلك من خلال رفع الرواتب أو التفاوض مع الأكراد لتحقيق مطالبهم دون غيرهم، أو العودة عن بعض القرارات السابقة كقرار منع المنقبات من التدريس .. كل هذه رشوات هدفها إخماد هذه الثورة العظيمة، ولو كان النظام السوري يرغب حقا بالإصلاح لما اعتقل العشرات كل يوم حتى بلغ عدد المعتقلين المعروف أسماءهم 507 معتقلا منذ بداية الثورة!! ولما قتل المتظاهرين عمدا مستخدما الرصاص الحي!! ولكان لبى مطالب الثوار التي لا يأخذ تنفيذها وقت ولا يحتاج إلى لجان!! ولكن كما نقول بالشامي: لو بدها تمطّر، كانت غيّمت!

النظام السوري الآن أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يُغَيِّر .. أو أن يتَغَيَّر. والشعب السوري قد ردّد مطالبه في أكثر من مناسبة، وكان أحدها البيان الرابع “لحركة شباب 17 نيسان للتغيير الديمقراطي في سورية” والصادر يوم 27 آذار، والحد الأدنى لهذه المطالب هو التالي:

أ‌-      مطالب تنفّذ بشكل فوري ومباشر:

1-   رفع حالة الطوارئ فورا ورفض استحداث أي قانون آخر ليرسّخ هذه الحالة بمسمى مختلف.

2-   الإفراج عن جميع معتقلي الرأي والضمير الذين اعتُقِلوا قبل الثورة وأثناءها فورا، والسماح بعودة المبعدين والمهجّرين والمنفيين دون قيد أو شرط، وإلغاء منع السفر عن الممنوعين منه.

3-   ضمان الحرية وكافة أشكال التعبير عنها، وعلى رأس ذلك حق التظاهر السلمي، واحترام الحقوق الإنسانية وكرامة السوري.

4-   تقديم المسؤولين عن الانتهاكات التي ارتُكِبت في الأسابيع الماضية إلى المحاكمة مهما علا شأنهم.

ب‌-   مطالب تنفّذ حسب جدول زمني محدد:

1-   تعديل الدستور وبالأخص المادة الثامنة لتحقيق المساواة بين المواطنين على أساس المواطنة لبناء دولة ديمقراطية تعددية.

2-   العمل على استقلال القضاء ونزاهته وحصانته.

3-   إصدار قانون أحزاب عادل ومنصف يضمن الممارسة الديمقراطية التعددية في ظل مجتمع مدني.

4-   العمل على قانون انتخابات عادل ومنصف يضمن التعددية.

5-   إجراء انتخابات برلمانية في المدى القريب وفقا لقانون الانتخاب يتم بعدها تشكيل حكومة منتخبة.

6-   تحسين الوضع المعيشي في سورية ووضع خطط لمحاربة الفقر والبطالة.

7-   محاربة الفساد ومحاسبة الفاسدين في مختلف أجهزة الدولة.

هذه هي المطالب باختصار، وإن عدم تحقيق أي شيء منها بشكل فوري أو وفق جدول زمني واضح وصريح أمام الشعب لا يعني سوى الإطالة في الوضع الذي تمرّ به سورية الآن، وربما تقليص الخيارات التي ما زالت متاحة أمام النظام (وهي خيارات تقلّصت جدا منذ بداية الثورة). إنه من المؤسف حقا أن النظام لا يتعلّم، فلقد ناشدناه مرارا وتكرارا، على لساني ولسان الكثيرين، وفي أكثر من مناسبة، أن يصلح نفسه بنفسه ويجنّب البلد كل هذا الذي مرّت به، ولكن يبدو أنه يصرّ على المواجهة .. ومن يواجه شعبه لا ينتصر يا سادة.

وختاما، أوجّه رسالة لشجعان سورية، لأحرار سورية، لشرفاء سورية، نحن معكم. نعلم كمّ التضحيات الذي تقدّمونه، ونقدّر معاناتكم .. ولكن وطننا سورية يستحق كل هذه التضحيات، أليس كذلك؟ لا عليكم من الدعاية الإعلامية التي تثار عنكم، نِعْمَ الاندساس هذا إن كنتم مندسّين، وكلنا مندسّون إذا كان الأمر كذلك. يحاولون أن يربطوا أسماءكم بأسماء ملطّخة بالقذارة، يقولون رفعت الأسد وعبد الحليم خدام، وكأن هذين المجرميْن لم يكونا جزءا من نظامهم نفسه! ولكن أنتم أطهر من أن توضع أسماؤكم إلى جانب أسمائهم. يتكلّمون عن الحريري وغيره، وأنتم من رفضتم أخذ السلاح والمال وأصررتم على سلمية الثورة بمطالبكم المحقة. يتكلّمون عن الاستعانة بالخارج، وكأنهم نسوا – أو ربما تناسوا عمدا– أنكم أنتم من وقف ضد أي تدخّل أجنبي في سورية على مر هذه السنين، وستقفون مجددا، بل سنقف جميعا ضد أي تدخل أجنبي في سورية أيا كانت صورته. يبيعونكم وطنيات عن فلسطين والعروبة وغيرها، وأنتم من احتضنتم اللبنانيين يوم حرب تموز، وأنتم من تدافعون عن فلسطين بدمائكم، وأنتم العرب الفخورين بعروبتكم. دعوهم يقولون ما يشاؤون، فأنتم أطهر من أن تجيبوا على وضاعتهم .. يكفي أنكم تقولون “الله، سورية، حرية .. وبس!”.

عاشت سورية حرة!

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: