Skip to content

رسالة ثائر في عيد الأم

21 مارس 2011

صباح الخير يا حلوة .. صباح الخير يا قدّيستي الحلوة ..

إنه 21 آذار مجددا .. أنتظره كل عام .. لا لأنه عيدك، فكل يوم أسمع به صوتك العذب هو عيد لي .. وكل يوم أكحّل عيناي برؤية وجهك الباسم هو عيد لي .. وكل يوم تخطرين فيه على بالي هو عيد لي .. ولكني أنتظر هذا اليوم لأن كل ما فيه جميل، وأجمل ما فيه سعادتك لسماع صوتي عندما أتّصل بك باكرا في الصباح.

ولكن عيدك يا أمي يأتي هذا العام، وأمهاتٌ في وطني حُرِموا أولادهن وبناتهن، منهم من اعتُقِل ومنهم من استُشْهِد، وبكت عليهم قلوب الأمهات. عيدك يا أمي يأتي هذا العام، وأمهاتٌ في وطني يقضينه خلف القضبان، في سراديب السجون، وربما تحت وطأة التعذيب وقسوة السجّان .. فكيف أسكت يا أمي أمام هذا الطغيان؟

مضى عامان يا أمي .. نعم عامان، لست أكتب هذا لأوافق أبيات نزار، بل فعلا مضى عامان! مضى عامان منذ أن حذّرتِني من أن أكتب عن الظلم والاستبداد، رغم أنكِ أنشأتِني على رفض الظلم والاستبداد، وقول الحق ولو على قطع الرقبة، أليس كذلك يا أمي؟ كم من القصص رَوَيْتِ لي أنتِ وأبي عن التعفف والصدق والأمانة؟ ألم يكن جدي – رحمه الله – مثالا في قول الحق ولو كان وقعه كالسيف؟ وألم يكن جدي الآخر – رحمه الله – مثالا في الإخلاص والتفاني ورفض المداهنة والنفاق؟ فلِمَ الخوف الآن؟ أليس الخذلان من صفات الجبان، يا أمي؟ أليست هذه الصفات التي تشرّبتها في صغري؟ أليس كذلك يا أمي؟

مضى عامان يا أمي .. وليل دمشق .. فلّ دمشق .. دور دمشق .. تسكن في خواطرنا! مآذنها تضيء على مراكبنا! كأن مآذن الأموي قد زرعت بداخلنا! كأن مشاتل التفاح تعبق في ضمائرنا! كأن الضوء والأحجار جاءت كلها معنا! هكذا يا أمي قال نزار، وكأنه يصف حالي وحال كل ملتاع بالبعد عن أمه ووطنه في آن! والآن، بعد عامين، أرى دمشق حزينة كعادتها، ولكني لم أعد أقوى على الصمت .. فصوت الحق، يا أمي، يطغى فوق كل اعتبار مهما كان.

أعلم أنك حزينة يا أمي .. ما عاش يللي بيزعلك! ولكن أعلم أيضا علم اليقين أنك تفخرين بتمسكي بالمبادئ وصدحي بالثوابت ونصرتي للمظاليم، فالأخلاق والكرامة والعلم هي رأس مال المرء .. على هذا ترعرت .. وعلى العروبة والدين. أعلم يا أمي أنه يؤلمك رؤية أبنائك يضحّون .. ولكن ما قيمة تضحياتنا أمام دماء الشهداء؟ ودموع الثكالى؟ وصرخات المسجونين؟ وحسبُك يقينُكِ بإخلاصي وصدقي، وعلمُكِ بعجزي عن النفاق والمجاملة خصوصا عندما أرى ظلما.

أنا أيضا، أمي، كمحمود درويش، أخجل من دمعك إذا ما متُّ .. ولكني أيضا أخجل من دموع أمهات الوطن بأسره عندما يفقدن أبناءهن وبناتهن .. ثم لا يجدن نصير! أليست أنانية أن “أعشق عمري خجلا من دمعك” وشباب الوطن يقدّمون أرواحهم في سبيل الحرية؟ ماذا كنتِ لتقولين لو أنك فقدتِني وشبابُ الوطن لم يكترث؟ ومن يدري على من الدور غدا؟

أيا أمي .. أيا أمي .. أنا الولد الذي أبحر .. وبحر الحرية يا أمي يَصْعُبُ الإبحار فيه بداية، ولكنه كأي بحر .. جميل بديع المظهر .. ومن ذاق طعم الحرية يا أمي، يستحيل أن يعود لعبادة البشر.

لا تحزني يا أمي، فقد تكون هذه آخر رسالة أكتبها لك في عيدك .. من يدري ماذا تخبّئ لنا الأقدار .. لا تحزني، فالحياة إما أن تكون وقفة عز، ومن يصمتْ يكتَوِ بالنار .. أو أن يرضى فيها المرء بالذل، فهل من فرق حينها بين حياة الذليل وحياة الأبقار؟ وأنتِ من علمني يا أمي أنه: إذا كانت النفوس كبارا .. تعبت في مرادها الأجسام.

يا أمي ..

خمسون عاما وأجزائي مبعثرة .. فوق المحيط وما في الأفق مصباح

تقاذفتني بحار لا ضفاف لها .. وطاردتني شياطين وأشباح

أُقاتل القبح في شعري وفي أدبي .. حتى يفتّح نوّار وقدّاح

ما للعروبة تبدو مثل أرملة .. أليس في كتب التاريخ أفراح؟

والشعر ماذا سيبقى من أصالته .. إذا تولاه نصّاب ومدّاح؟

وكيف نكتب والأقفال في فمنا .. وكل ثانية يأتيك سفّاح؟

حملت شعري على ظهري فأتعبني .. ماذا من الشعر يبقى حين يرتاح

فهل يشفع لي ذلك؟ وختاما، كل عام وأنت بخير يا أمي، وكل أمهات الوطن بخير .. ولا حرَمَ الله أمّا من ضناها.

4 تعليقات
  1. imad kadoumi permalink

    Salam akhi Fadi,
    well said, we missed you AKhi ..
    Jazakum Allah Kheir
    take care
    Abu Salah

  2. السلام عليكم ورحمة الله وبركاتة
    اهنئك على هذا المقال وعلى كلماتك التي اثرت في نفوسنا وجعلت الدموع تنهمر من اعيوننا ، واهنئك على طريقة تعبيرك لحبك لامك وحبك لوطنك وانتقاءك لكلماتك التي تخرج من وجدانك .
    حماك الله من كل سوء وحفظك لوالديك

  3. emd permalink

    salamat a5 fadi aside kteer 7elwe fiha ru7 nizar hida nitaj saqafe dimashqye asile almar2a=alwatan al7ur salamat

  4. عمي أبو صلاح .. تحياتي الحارة لك وأشكرك على تعليقك الجميل. سلامي لكم جميعا.🙂

    *****

    الأخ ثروت .. أشكرك جزيل الشكر على كلماتك الجميلة، ومرحبا بك في هذه المدونة.

    *****

    تحياتي أخ عماد .. تسلم على هذه الكلمات، وقد اقتبست حقا أبيات كثيرة من نزار، فهو الحب والجمال والثورة. أتشرف بمرورك.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: