Skip to content

القذافي، نظام عربي بلا ورقة توت

28 فبراير 2011

تمثّل حالة معمّر القذافي، زعيم زعماء أفريقيا وأمير المؤمنين وسلطان سلاطين مجرة درب التبانة، والذي بالكاد يستطيع مغادرة قصره في طرابلس الآن، أقول تمثّل حالته وضعا فريدا من نوعه ينبغي أن يدرّس في الجامعات لطلبة العلوم الإنسانية والإجتماعية، وبالأخص في مجالات العلوم السياسية وعلم النفس وعلم دراسة الإنسان. وفرادة هذا المثال لا تنبع من عبقريته أو مزاياه، أبدا على الإطلاق، بل إن فرادته تكمن في أن القذافي استطاع بشكل عجيب أن يطبّق نظام حكم أوتوقراطي ديكتاتوري على أرض الواقع بشكل يكاد يتطابق تماما مع الوصف النظري لطبيعة هذه الأنظمة في الكتب! والأوتوقراطية هي نظام حكم يكون فيه للفرد الحاكم مطلق الصلاحيات، فيصبح هذا الفرد هو الحاكم المطلق وهو السلطة السياسية كلها، فيُخْتَزَل النظام بشخصه، ليصبحا صنوين، ذِكْرُ أحدهما يعني حتما الآخر.

والمقصود هنا بذكر الأوتوقراطية مقترنة بالديكتاتورية بدلا من الاكتفاء بالأخيرة هو أن في الديكتاتورية قد يتخذ نظام الحكم أنماطا متعددة، فيكون شموليا على سبيل المثال كأنظمة الحكم الشيوعية التي سادت إبان الحرب الباردة في القرن الماضي، أو يكون نظام هجين “الحزب/العائلة” الحاكم المتواجد في غالبية الدول العربية التي يستمد فيها الديكتاتور العربي (سواء في “الجملكيات” العربية أو حتى في الإمارات والممالك العربية) سلطته من حزب حاكم كان له دور محدد في فترة من فترات تطور الدولة تم اختزاله لاحقا لتكريس حكم الديكتاتور ضمن منظومة معينة. وعلى الرغم من أن جميع الأنظمة العربية هي ديكتاتوريات مهترئة فشلت حتى في تطبيق الوصفة الصحيحة للديكتاتورية (مع انتفاء وجود ديكتاتورية صحيحة)، إلا أنها حافظت بشكل أو بآخر على “نظام” معيّن يوفّر لها غطاء للحكم .. وهذا ما لا يتواجد في حالة القذافي الذي جرّته غطرسته وتركيبته العقلية لاختزال كل شيء في ذاته ليقدم صورة حقيقية للنظام العربي (أو الـ”لا نظام” كما سماه الدكتور عزمي بشارة) في حال خرج على الملأ دون “الميك أب” لزوم البقاء على الكرسي.

معمّر القذافي، الذي ما زال يصرّ على أنه يحكم ليبيا، ويصرّ على أن المتظاهرين مدعومون من الغرب وبن لادن (هكذا، تحالف الغرب مع بن لادن ضد القذافي .. لم العجب؟ ألم يدعم كل من أميركا وأوروبا وإيران وحزب الله وحماس متظاهري مصر حسب النظام المصري؟!)، ويصرّ على أن المتظاهرين يتعاطون “حبوب الهلوسة” (يبدو أن القذافي وابنه يعرفاها جيدا)، ويصرّ على أن الوضع تحت السيطرة رغم أنه فقد السيطرة عن كل ليبيا ما عدا طرابلس وسرت وبعض المناطق الوسطى والجنوبية، ويصرّ على الانسلاخ عن الواقع تماما فيقول في خطابه الأخير “ارقصوا وغنّوا” والتي ما زال جميع المحللين السياسيين يحاولون إيجاد معنى لها، هذا الرجل قد حكم ليبيا قرابة 42 عاما دون أدنى اعتبار لشعبه وبلده، فسخّر ليبيا كلها لمجده الشخصي، والذي لم يتحقق أبدا، بل وانتهى به المطاف الآن منبوذا عربيا وعالميا – بعكس سابقيه التونسي والمصري واللذان على الرغم من الخزي الذي لحق بهما استطاعا أن يبقيا على مظلة عربية تؤويهما بقية عمرهما.

مشكلة القذافي أنه تعامل مع العالم كله بسذاجة وعنجهية غير طبيعية، وفقا للعالم الموجود في مخيلته. ليس من السهل أن تفقد تعاطف الأنظمة العربية التي تتمنى ضمنا فشل الثورة، ولكن القذافي نجح بفقد تعاطف هذه الأنظمة وعزل نفسه عربيا بسبب استخدامه المفرط للعنف (والعنف كله مرفوض خاصة عندما يكون الحديث عن مظاهرات سلمية تطالب بالحرية). هذا الرجل استخدم مرتزقة أفارقة ليقتلوا شعبه، واستخدم طيرانه ليقصف أرضه، وخرج في خطاب ينعت أهل بلده بالجرذان، فلا أدري ما الذي يمكن أن يشفع له عقب خلعه عن الحكم. معمّر القذافي، التي أصبحت مسألة خلعه مسألة وقت ليس إلا، لا يستحق إلا أن يحاكم وربما يعدم على الجرائم التي ارتكبها بحق شعبه. كلام كثير يمكن أن يكتب في حماقة القذافي التي أساءت كثيرا للعرب ولليبيا .. هو وصمة عار في جبين هذه الأمة، وفترة حكمه صفحات سوداء في تاريخنا دنا زمن رحيلها بلا رجعة لتشرق شمس الحرية على قطر عربيّ جديد، وتشرق شمس الأمل على أقطار عربية عدة.

يبقى لي أن أستعرض نقطتين. أما الأولى فهي مسألة التدخل الخارجي. نعم، لقد هالني إرهاب النظام الليبي في تعامله مع المظاهرات الليبية والاستخدام المفرط للعنف والذي أدى إلى سقوط الشهداء بالمئات. وهالني أكثر رؤية صور أجساد الشهداء أشلاء ممزقة، في مشهد لم أره قبلا إلا نتاج الإرهاب الصهيوني في فلسطين ولبنان. وعلى الرغم من يقيني أن الحرية لا تأتي بلا ثمن، وأن سقوط دماء زكية بريئة هي ثمن طبيعي في سبيل الحرية، إلا أنني أؤمن أيضا أن عليّ كعربي وكإنسان أن أمنع هدر المزيد من الدماء بأي وسيلة ممكنة. وأمام هذا، وفي ظل العجز العربي وتخاذل الأنظمة في نصرة الشعوب المضطهدة، رأيتُ أن على المجتمع الدولي، إضافة لاتخاذه موقفا منددا وحاسما، أن يتدخل لتحييد الطيران الليبي ويسيطر على الأجواء الليبية ليمنع النظام الليبي من قصف شعبه. أما أن يمتد هذا التدخل لنسمع كلاما عن أن تدخلا عسكريا (سواء كان ذلك بقصف جوي أو إنزال أرضي) قد أصبح خيارا لدى الدول الغربية فهذا شيء مرفوض تماما ولن يمثّل سوى محاولة دنيئة للالتفاف على ثورة شعبية مشروعة وتحويرها لتخدم مصالح الغرب، خاصة وأن ليبيا دولة غنية بالنفط.

إن التدخل الغربي بالثورة الليبية مرفوض، وإن الإجراءات التي تم اتخاذها حتى الآن – بما فيها قرار مجلس الأمن – تعتبر أكثر من كافية، والمطلوب من الغرب الآن أن يكفّ يده عن ليبيا وأن يعترف بأي حكومة تنبثق عن الثوار ويعمل على رفع العقوبات عن ليبيا في أسرع وقت ممكن. كما أن أي محاولة لمحاكمة القذافي دوليا هي محاولة مرفوضة ويجب أن ترفضها أي حكومة ليبية قادمة، فالشعب الليبي يستحق أن يحاكِم هذا الطاغية على ترابه الوطني وأمام قضاة ليبيين، والشعب الليبي يستحق أن يرى هذا الطاغية ينال جزاءه في ليبيا، وليس في دول الغرب التي ما زالت رائحة تعامل حكوماتها مع القذافي ورشاويه تزكم الأنوف، بل ولم تتحرك نصرة للشعب الليبي إلا بعد أن أيقنت أن لا مكان للقذافي في الحكم بعد الآن.

وأخيرا، إلى هؤلاء الذين قالوا أن التونسيين ثاروا على عمالة بن علي للغرب، وأن المصريين ثاروا على نظام كامب ديفيد، فعلى ماذا يثور الليبيون إذاً؟ أكررها مرة أخرى، هذه الشعوب العربية تثور طلبا للحرية، ورفضا للظلم والاستبداد. هذه شعوب تثور على حكم امتد لعقود، إنها تثور على “جملكيات عربية” .. جمهوريات بالاسم ولكن يحكمها ديكتاتور متغطرس يعتقد أن البلد مزرعته ومزرعة عائلته. وليبيا ليست نهاية المشوار. وأما إلى هؤلاء الذين قالوا أن شعبي مصر وتونس كانا جاهزين للثورة، بينما الشعوب في بعض الدول العربية – مثل ليبيا – غير جاهزة للثورة، هل في ثورة ليبيا رد على مزاعمكم؟ ربما تكون الحالة الليبية هي أسوأ حالة عربية ممكنة، فأي نظام عربي على الساحة الآن لن يفوق النظام الليبي سوءا (رغم أن هناك أنظمة تماثله سوءا)، وأي شعب عربي لن يكون “أقل استعدادا” من الشعب الليبي، ومع ذلك استطاع الليبيون أن يثوروا، وينظموا أنفسهم، بل ويحاصروا النظام بسرعة لم يكن أحد يتوقعها، وصمدوا أمام إرهاب نظامهم ومرتزقته، والآن نسمع أخبارا عن تشكيل مجلس وطني انتقالي .. فهل ما زلتم تعتقدون أن الشعوب العربية غير جاهزة للثورة؟

ختاما، أود أن أشيد بالتعاطف الشعبي السوري الرائع مع ثورة ليبيا، ففي الوقت الذي يغيب فيه الصوت الرسمي العربي عن نصرة الليبيين (ما عدا وقفة قطر الشجاعة، ووقفة أردنية لامتصاص الغضب الشعبي)، نرى السوريين يدعمون وبكثافة هذه الثورة المباركة، ويبرعون في استخدام الفيسبوك لإبراز جرائم النظام الليبي ودعم أشقائهم الليبيين، بل واعتصموا بكل تحضّر أمام السفارة الليبية في دمشق. كما أود أن أندد وبشدة باعتقال الأخ الصديق المدون أحمد أبو الخير، هذا المدون السوري والشاب الخلوق الذي لم أعرف عنه سوءا. عجبت كل العجب كيف تحاول الأنظمة العربية أن تنفتح على شعوبها في هذه الظروف تجنبا لاستثارة الشعوب، بينما يتم في سورية اعتقال مدون بريء لا ذنب له سوى أنه يدوّن. هل أصبح التدوين في سورية جريمة؟

ملاحظة: تم الإفراج عن المدوّن أحمد أبو الخير الخميس الماضي فنحمد الله على سلامته ونبارك له حريته

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: