Skip to content

السودان سودانان .. والعرب خرسان!

15 يناير 2011

عندما يتم نشر هذا المقال، تكون الأيام المخصصة للاستفتاء على مصير جنوب السودان قد انقضت، وربما – أو غالبا – نكون على أعتاب انفصاله مكوّنا كيانه الخاص، منسلخا عن الكيان الأصل، وأَعْيُنُ بني العرب تنظر دون أن تحرّك ساكنا وكأن على رؤوسهم الطير. هكذا، وبكل بساطة وسذاجة واستهتار، سمحنا للأمور أن تصل إلى هذه النقطة، حيث أصبح من الصعب جدا أن نمنع انفصالا غَدا وشيكا، على الأقل دون إراقة دماء المزيد من السودانيين .. ولا يوجد محبّ للسودان يرضى بهذا.

ماذا حدث إذاً؟ كيف وصلنا إلى هنا؟ والأهم من ذلك هو لماذا وصلنا إلى هنا؟ تساؤلات ينبغي على كل عربي أن يطرحها على نفسه، هي وتساؤلات كثيرة غيرها ليس أولها سبب تراخي الحكومة السودانية حتى وصلت الأمور إلى هذه النقطة، وليس آخرها سبب التغاضي العربي عن هذه القضية وكأنها لا تمسّ صلب ميثاق جامعة الدول العربية بل والأمن القومي لدول عربية كثيرة. والإجابة على هذه التساؤلات تحتاج إلى مقالات تحليلية كثيرة تتناول العديد من النقاط آخذة بالاعتبار الظروف الإقليمية والدولية والمواقف السياسية والتي لا يتسع المجال لسردها في مقال واحد، ولا يستطيع الكاتب الواجم تحت تأثير حرقة شجون القرار المتوقع أن يكتب بحيادية وموضوعية مجنّبًا العاطفة .. غير أنه تبقى كلمات يجب ذكرها في هذا المصاب ولو بعد خراب البصرة.

أما النظام السوداني، وهو نظام عربي تقليدي كبقية الأنظمة العربية، بَرَعَ في قمع شعبه والتضييق على حرياته وما زال رئيسه يحتكر السلطة منذ أكثر من عقدين من الزمان، فلا أدري ما الذي أجبره على توقيع اتفاق السلام الشامل مع الجبهة الشعبية لتحرير السودان في عام 2005 بشكله النهائي (والذي لا شك أنه أنهى الحرب الأهلية الطويلة، ولكنه أسّس لهذا الاستفتاء الظالم)! ولا أدري هل كان النظام السوداني في باله أن يتنصّل من تنفيذ بنود هذا الاتفاق مثلا، أو أنه كان فعلا على استعداد لتقبّل نتائج استفتاء كهذا – وهي نتيجة معلومة مسبقا! بل ولا أدري ما الذي قام به النظام السوداني منذ عام 2005 وإلى الآن لكي يساهم في ترسيخ الوحدة ويستميل الجنوبيين؟ وحقيقة، أمام قرارات كهذه، تبقى في حيرة من أمرك إلى أن تنتبه أن ديكتاتورا هو الذي يقود البلاد والعباد، وحينها تستطيع استيعاب أن  قرارات فاشلة كهذه لا تتخذها إلا عقلية جهبذة كعقلية ديكتاتور قادرة على صنع هرطقة سياسية دون أساس فكري أو نظرة مستقبلية أو اعتبار لوحدة وطنية، كيف يكون ذلك والاعتبار الأول والأخير للديكتاتور هو الكرسي؟!

ولا أريد التحامل كثيرا على النظام السوداني محمّلا إياه كامل المسؤولية، فلا شك أن الضغوط الدولية والتدخلات الأجنبية والأطماع الغربية والمؤامرات الصهيونية وارتباط بعض ساسة الجنوب بمصالح الولايات المتحدة وأوروبا وحتى الكيان الصهيوني، لا شك أن كل هذا ساهم وبشكل كبير في الوصول إلى ما نحن عليه اليوم بهذا الشكل وبهذه السرعة؛ لكن ألم يكن للأخطاء الكثيرة التي ارتكبها النظام السوداني دورا كبيرا لا يقل أهمية عما سبق في جعل فكرة الانفصال واردة؟ ألم يكن لغياب الديمقراطية والحريات والحقوق المدنية وللانتهاكات الإنسانية والتعامل بازدواجية والتفرد بالقرارات ناهيك عن الوضع المعيشي الاقتصادي المزري دورٌ هام في تأسيس وتمكين الرغبة الصارمة لدى أبناء جنوب السودان في الانفصال عن السودان وتأسيس كيان جديد بشكل مغاير لذلك الذي اعتادوا عليه في السودان الأم؟ كلها تساؤلات وأفكار لا تؤدي إلا إلى نتيجة مفادها أنه لم تعُدِ الديكتاتورية على شعبها يوما بخير.

أما الأنظمة العربية، والتي لا يُعَوَّلُ عليها على أية حال، فوقفت تشاهد منظر تقسيم السودان دون أن تتدخل، رغم أنها عادة تتدخل في كل شاردة وواردة عندما يكون في الأمر شرّ على العرب! فبغض النظر عن كون الجامعة العربية مسؤولة – أخلاقيا على الأقل – عن حماية وحدة وسلامة أراضي الدول الأعضاء، والسودان من أقدم الدول الأعضاء في الجامعة، فإن الدول العربية فشلت في حماية وحدة السودان حتى من خلال المبادرات الفردية! وإن غيّبنا الوعي القومي والمصلحة العربية المشتركة، والتي لم تعد تهمّ الكثيرين عموما وبالأخص أولئك الذين في الحكم، فإني لا أدري كيف غاب عن دولة كمصر على سبيل المثال خطورة نتيجة الاستفتاء في جنوب السودان! فمن الضامن بأن عدم الاستقرار الذي قد ينتج عن التقسيم لن ينتقل إلى الجار المصري في الشمال؟ وألا يمكن أن يؤدي ارتباط مصالح بعض ساسة الجنوب بالكيان الصهيوني أن يؤثر مباشرة على الأمن القومي المصري؟ بل إن مجرد زيادة دول حوض النيل دولة أخرى إضافة إلى الارتباط الوثيق لهذه الدولة الجديدة بالغرب سوف يؤثّر على الاتفاقيات الموقعة بخصوص اقتسام مياه النيل وقد يغيّر من حصة مصر منه ما يعرّضها للابتزاز. وهذه فقط بضع قضايا قد تلقي بظلالها على القطر المصري، وعلى بقية الأقطار العربية فَقِسْ.

إذاً، ما العمل الآن؟ لا شك أن التقسيمَ مرفوضٌ من قِبَلِنا، لأسباب قومية عروبية بحتة، كما أنه تقسيم مطلوب غربيا-صهيونيا (إن لم يكن ناتجا عن الإرادة والتخطيط الغربي-الصهيوني أساساً)، وللكاتب عموما مواقف مبدئية من قضايا تقسيم الدول بحجة “تقرير المصير” لأن تقسيم الدول عرقيا أو طائفيا شيءٌ غير منطقي، ففي نهاية المطاف سنخلص إلى إنشاء عدة دويلات لكل قبيلة دولتها! والولايات المتحدة على اتساعها الجغرافي وتنوعها العرقي الديني إلا أنها موحّدة والتقسيم ليس واردا فيها إطلاقا .. فلماذا يتم تقسيم دولنا الصغيرة؟! إن التنوع الثقافي العرقي الديني لهو ميزة في الأوطان لا بد من الإفادة منها في حال تم التعامل مع أبناء الوطن على أساس المواطنة بمساواة وعدالة وحريات مكفولة للجميع تنظمها دساتير وطنية وترعاها حكومات منتخبة شعبيا. هكذا يتم الحفاظ على وحدة الأوطان. أما بدعة تقسيم الأوطان فهذا أمر مرفوض وهو هروب من التعامل مع الواقع. أما وقد جرى ما جرى الآن، فلا يجب أبدا الانجرار إلى حرب أو حالة من عدم الاستقرار بين السودانيْن، فلا فائدة ترجى من ذلك. والمطلوب هو التعاون مع هذا السودان الجديد، واستمالته إلى الحضن العربي لتكون مصالحه مرتبطة مع محيطه الطبيعي، لا مع أعداء العرب. ولا بد من السعي إلى صيغ معيّنة مستقبلية يتم من خلالها تحقيق وحدة مجددة بين السودانيْن بأي شكل من الأشكال. هذه الحلول الأكثر حكمة برأينا بالإمكانات المتاحة والظروف الحالية .. ولكل عربي وسوداني أقول: ابكِ كالنساء ملكا مضاعا .. لم تصنه كالرجال!! وا سوداناه!

From → عروبيات

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: