Skip to content

غابت طل .. لتطلّ شمس الحرية

28 ديسمبر 2010

دعوني أحكي لكم قصة من قصص وطننا الحبيب سورية. طل دوسر الملوحي، فتاة سوريّة، حمصية المولد، وُلدت في نوفمبر/تشرين ثاني عام 1991. نابغة، ذكية، متفوقة دراسيا، محبة للعلم، وذات أفق واسع. مؤمنة بقضايا الأمة، وعلى اطلاع على قضايا المنطقة والعالم. مدوِّنة تكتب الشعر والنثر والخاطرة، وتدافع عن قضية فلسطين والعروبة بشراسة وعزة أكثر ربما من ثلثي الحكام العرب وثلاث أرباع الشعوب العربية. حملت قلمها – ولا شيء سواه – سلاحا في مواجهة الطغيان، أياً كان هويته ومصدره والمستهدف به، فالطغيان واحد في كل الأمصار، ووقعه واحد على كل الشعوب. طل، بنتُ سوريةَ التي أنجبت أيضا نزار قباني الذي ختم “القصيدة الدمشقية” قائلا:

أُقاتل القبح في شعري وفي أدبي              حتـــى يفتّــــح نــــوّار وقـــدّاح

والشعر ماذا سيبقى من أصـــالته               إذا تــــولّاه نصّـــاب ومــــدّاح

وكيف نكتب والأقفــال في فـــمنا؟               وكـــل ثـانيـــة يـأتيـك ســـفّاح؟

حملت شعري على ظهري فأتعبني             ماذا من الشعر يبقى حين يرتاح

وطل أيضا، أبى شعرها ونثرها إلا أن يتعبها طالما ننتمي إلى بقعة في العالم لا زالت تفرض الأقفال على أفواههنا عندما نكتب، وعندما نتكلم، وحتى عندما نتنفس الهواء .. طالما ننتمي لنفس المكان الذي ينتمي له دريد لحام والذي قال عنه يوما في إحدى مسرحياته أنه لا نستطيع أن نفتح فمنا فيه إلا عند طبيب الأسنان!

واعتُقِلت طل في 27 ديسمبر/كانون أول 2009، وكان عمرها حينها ثمانية عشر عاما وشهرا واحدا فقط، لتصبح أصغر معتقلة سياسية في العالم بأسره، إن لم تكن أصغر المعتقلين على الإطلاق. ولم يكتفِ مَنْ اعتَقَلَها بذلك وحسب، بل اختفت طل واختفت أخبارها حتى عن والديها لفترة تجاوزت الأشهر التسعة إلى أن تم الإفصاح عن مكان وجودها تحت تأثير المطالبات الشعبية بالإفراج عنها.

طل ليست أول من يعتقل لأنه كتب كلمة أو قال حرفا لا يتناسب وأهواء البعض في سورية الحبيبة أو الوطن العربي العزيز .. ولكن ما يجعل قضيتها خاصة ومختلفة عن غيرها أمران: أما الأول فهو جرأة من اعتقلها على اعتقالها وهي الفتاة ذات الثمانية عشر ربيعا، وفي ذلك تحدٍّ عظيمٌ لنخوة شعب مشهور عنه حميّته لعرضه، وفي ذلك تحدٍّ عظيمٌ للقيم الإنسانية بعدم الاكتراث لكونها فتاة وكونها صغيرة سن، ولك عزيزي القارئ أن تتخيل تعرضها لما يتعرّض لها المعتقلون في سجون الوطن العربي من أصناف التعذيب والإهانة وإذلال الكرامة الإنسانية .. وما أبرع سجّانينا في ذلك. أما الأمر الثاني، فهو مقدار التغطية الإعلامية وردة الفعل الشعبية التي حظيت بها قضية طل، وهي لا شك ردة فعل طبيعية تتناسب مع فحش الحدث ولكنها أيضا تظهر ضيق ذرع الشرائح الوطنية على اختلافها بالممارسات القمعية التي أصبحت لا تفرق بين صغير وطاعن في السن (اعتقل هيثم المالح قبل شهرين وهو يبلغ من العمر 79 عاما)، وبين فتاة وشاب، ولا تخجل حتى من تأليف مسرحيات اتهامية على نسق أفلام جيمس بوند (اتّهمت طل الملوحي – في تسريبات نقلها الإعلام المقرب من الحكومة – بالتجسس لحساب دولة أجنبية – دون الإفصاح عن اسم هذه الدولة – في محاولة اغتيال مسؤول سوري في القاهرة – لم يفصح عن اسم المسؤول ولم نسمع بعملية اغتيال في القاهرة قط – ومجرّد اتهام صبية عمرها 18 عاما بشيء كهذا يجعلنا نشعر بالقلق من قيام نفس العقلية هذه بالحفاظ على أمن الوطن!!).

أعزائي القراء، أحبتي ذوي الألباب والقلوب، إن قضية طل تعنينا جميعا بلا استثناء لأنها بكل بساطة قضية إنسانية لا سياسية. قد نختلف أو نتفق مع آراء طل، ولكن ما قامت به لا يستحق تغييبها عن الوجود بأسره، ما قامت به لا يستحق رمي فتاة عمرها 18 سنة في سجن من سجون العرب، وأنتم أدرى بما يجري في سجون العرب. تأبى الإنسانية أن تختفي أنثى حديثة عهد بهذه الحياة في ظلام تلك الأقبية. إنها قضية إنسانية لا يستطيع الإنسان على اختلاف دينه وعرقه وأصله إلا الوقوف إلى جانبها، في الحد الأدنى رأفة بدموع أم غابت عنها ابنتها ولم تعد تسمع عنها شيئا. إن قضية طل لا تخص السوريين وحدهم، ولا العرب وحدهم، بل تخص كل الشرفاء في هذا العالم.

إنني أناشد الدكتور بشار الأسد، الأب المثقف الطبيب بالتدخل شخصيا والإفراج عن طل الملوحي .. فهو الأدرى ببراءة هذه الفتاة وبالظلم البواح الذي أحيق بها .. وهو كأب قادر على استشعار الألم والحرقة في قلبي والديها جراء ما جرى وما زال يجري بابنتهما. وهو كطبيب أدرى بأن تعليم الطبيب وتربيته الأكاديمية المهنية تفرض عليه التعامل بقلب معالج مداوٍ محفوفٍ بقسم أبقراط: “لا أَضرُّ ولا أنتهك عرضا!” إنني أناشد فخامة الرئيس من منطلق إنساني، والإنسانية، سيدي الرئيس، لا تعرف انتماءً سياسيا. وإن كان هنالك من شك في جرم ارْتَكَبَتْهُ، وما أبعد هذا عن الواقع، فلتحالَ إلى محاكمة مدنية عادلة أمام قضاء نزيه وبتوافر دفاع مناسب في محاكمة شفافة منقولة تلفازيا وبشكل فوري، فلا معنى لبقائها في السجن طوال هذه المدة دون محاكمة إن كانت بريئة.  

انتهت قصتي، أعزائي، ولم تنتهِ قصة طل بعد، فمع كتابة هذه السطور تكون طل قد أتمت بالفعل عامها الأول خلف القضبان، والله وحده العالم بما يخفي القدر لهذه الفتاة المسكينة. قف أيها القارئ وقفة نخوة، وقفة كرامة، وقفة دفاع عن الحرية .. فاليوم طل، ومن يدري من يكون غدا؟ ربما أنت، ربما أنا، ربما أي مواطن عربي يتجرّع كأس الذل والهوان في اليوم ألف مرة. ومع كل شريف في هذا العالم يغيب، يقترب موعد شروق شمس الحرية .. قالها الشابي ولم يكذب:

إذا الشعب يوما أراد الحياة                    فلا بد أن يستجيب القدر

وإلى أن يحين ذلك الوقت .. تصبحون على وطن!

3 تعليقات
  1. مدونة رائعة اتمنى لكم التوفيق

  2. لك الشكر عزيزي روشستا

Trackbacks & Pingbacks

  1. Tweets that mention غابت طل .. لتطل شمس الحرية -- Topsy.com

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: