Skip to content

عَلَمُ إسبانيا فوق قوس باب توما .. لماذا؟!

15 يوليو 2010

كنت أتابع بحزن شديد “ظاهرة” رفع أعلام الدول المشاركة في كأس العالم من قِبَل جموع العرب عامة والسوريين خاصة – والذين “زوّدوها” بشكل غير طبيعي!!! ولكن آثرت أن أتجنب الكتابة في هذا الموضوع لأنه تم التطرق إليه من قِبَل أكثر من كاتب وفي عدة تقارير صحفية، وكذلك لأني اكتفيت بممارسة دوري كمواطن “صالح” في نصح الأصدقاء والرفاق بـ”خطورة” هذه الظاهرة وضرورة تجنب الانسياق فيها، وطبعا كان الرد في أغلب الأحيان يتلخص في أنني أحمّل الموضوع أكبر من حجمه وكلها “كرة قدم” “وما ضروري تعكنن علينا كأس العالم” .. فقررت أن أحتفظ بحالة الاشمئزاز لنفسي بعد أن مارست دوري كمواطن صالح دون أن أكتب فيها مقالا على الملأ فـ”أعكنن” كأس العالم على الأمة العربية بأسرها!

ولكني “صُعِقت” عندما قرأت في أحد المواقع الرياضية الشهيرة خبرا بعنوان “الفرحة تعمّ سورية بعد فوز إسبانيا بكأس العالم للمرة الأولى في تاريخها” فخصّ الموقع سورية من بين كل دول العالم بخبر كهذا بالإضافة إلى إسبانيا – وهي صاحبة الحدث! وطبعا لفت نظري العنوان فليس من الطبيعي أن يحتفل شعب دولة بفوز دولة أخرى بكأس العالم ولا تربط الدولتين علاقة تستحق حدوث حالة فرح متبادلة بينهما (وأنا متأكد أنه في حال افتراض – وهو مجرد افتراض وهمي لا يمت للواقع بصلة – فوز سورية بكأس العالم، فإن الإسبان لن يكلفوا خاطرهم ولو بفرحة مصطنعة من أجلنا!!)، وليس من الطبيعي أن يتم تخصيص هذا الشعب عن غيره من شعوب العالم، فأصبح السوريون والإسبان سواء في الفرحة بفوز إسبانيا بكأس العالم! ويا ليت الأمر توقف على ذلك، فالطامة كانت في محتوى الخبر، حيث “خرج آلاف السوريين إلى الشوارع رافعين أعلام إسبانيا مطلقين العنان لأبواق سياراتهم التي غصت بها الشوارع حيث أطلق البعض الألعاب النارية بينما أطلق بعضهم الرصاص في بعض الأحيان” كما ذُكِر في الخبر. بل في الخبر أيضا ذُكِر أنه “تسلق بعض الشبان قوس باب توما الأثري ووضعوا فوقه العلم الإسباني وسط هتافات تشيد بإسبانيا وفريقها البطل حامل كأس العالم”!!!!

وبعد انتهاء كأس العالم، يمكننا الآن أن نتحدث عن هذه الظاهرة بشيء من العقلانية والروية بعيدا عن العاطفية وتعصّب عشاق كرة القدم الأعمى كي لا نتّهم بأننا نفسد فرحتهم بكأس العالم ونخرّب عليهم متعتهم بهذا الحدث الذي لا يحلّ علينا إلا كل أربع سنوات. وبالمناسبة، إن هذا الكلام لا يصدر عن شخص ليس له علاقة بهذه الرياضة، بل كاتب هذه السطور متابع دائم لأخبار الرياضة عامة وكرة القدم خاصة، وكأس العالم يمثّل بالنسبة إليه حدثا هاما ويشغل وقتا “محرزا” من يومه وأحاديثه. والكاتب أيضا لا يخفي تعصبه للفريق الأرجنتيني، ولا يخفي أنه تعاطف مع الفريق الإسباني في مبارتيه الأخيرتين، و”قفز فرحا” بهدف “أنييستا” في مرمى هولندا في النهائي. ولكن الفرق شاسع بين التشجيع ومتابعة حدث رياضي بهذه الأهمية الرياضية، وبين تحويل هذه المشاعر إلى أفعال فيها إهانة للوطن ومشاعر المواطنين.

وقبل أن نتحدث عن “بشاعة” ظاهرة رفع أعلام دول غريبة، دعونا نتساءل: من هي إسبانيا كي يُرْفَع علمها فوق قوس باب توما الأثري؟ هل أصبحت مباراة كرة قدم تستحق أن يُهان من أجلها صرح أثري شامخ في قلب دمشق الحضارة والتاريخ بأن يرفع علم غريب عنه فوقه!! الإهانة مزدوجة هنا: إهانة رفع راية غير راية الوطن، وإهانة تتمثل في السبب الدافع لرفع هذه الراية، وهو سبب تافه برأيي مهما كانت أهميته بالنسبة لعشاق كرة القدم، فَكُرة القدم تبقى كرة قدم .. وليست فيزياء نووية! من هي إسبانيا كي يخرج الآلاف من السوريين محتفلين بفوزها؟ بل وما هذه المناسبة التي تستحق خروج آلاف السوريين مطلقين الألعاب النارية .. والرصاص!!! ما هذه التفاهة؟! الاحتفاء بفوز فريق أجنبي بهذا الشكل يرفع علامات استفهام خطيرة على أكثر من مستوى، ليس أولها مقدار وعي المواطن بمفهوم الانتماء الوطني وليس آخرها دور المواطن في فهم وإدراك القضايا الحيوية وتحمّل المسؤولية المترتبة عليه في نهضة الوطن – وهو دور غائب حتما ولا يمكن توقعه من شخص غير مسؤول يخرج محتفلا بفوز فريق لا ناقة لنا به ولا جمل حاملا علمه ثم رافعا إياه فوق صرح من صروح دمشق الفيحاء.

ولكن لقد كان لهذا الفعل إرهاصات، من هنا يأتي الحديث عن خطورة رفع أعلام غريبة كتعبير عن تشجيع الفرق المشاركة في كأس العالم. إن علم دولة ما هو رمز لهذه الدولة، ورفع علمها هو تكريم لها، ورفع علمها هو إهانة للانتماء للوطن. إذاً المشكلة أيضا مزدوجة هنا، هي مشكلة ضعف الانتماء الوطني (المتمثل في رفع راية غير راية الوطن) ومشكلة تحويل هذا الانتماء إلى وطن آخر. لذلك تبدو هذه المشكلة أكثر عمقا عندما يكون الفريق الذي يتم تشجيعه ممثلا لدولة معادية أو ذات مشاريع معادية، وكم رأينا من سوريين وعرب يرفعون أعلام فرنسا وإنكلترا وألمانيا وغيرها من الدول التي تحمل حكوماتها العداء للعرب ومنها ما هو يشارك عمليا في الاعتداء على العرب سواء مباشرة أو من خلال دعم أعدائهم.

سيقول قائل أن هذه رياضة ولا دخل للرياضة بالسياسة، ولكن هذا كلام غير مسؤول ولا يصدر إلا عن ساذج .. وأبسط رد هو هل سيقوم أخونا المستهين بهذا الأمر بتشجيع فريق الكيان الصهيوني في أي حال من الأحوال؟ ولماذا؟ أليس قراره بعدم التشجيع هو مبني على السياسة؟ وما ينطبق على الكيان الصهيوني ينطبق على الولايات المتحدة التي لم يشجعها معظم السوريين بسبب سياسة حكومتها. إذاً السياسة متداخلة والرياضة، والفرق هو مقدار الربط الذي نقوم به بين المجالين المتداخلين حتما، فمنا من هو حساس لدرجة تجنب تشجيع فريق مثل غانا لقيام أحد لاعبيه برفع علم الكيان الصهيوني في البطولة الماضية، ومنا من فقد الإحساس تماما ليقوم بتشجيع الفريق الإنكليزي ضد الجزائر العربية! ناهيك عن أولئك الذين فقدوا الإحساس والوطنية وخرجوا يحملون أعلام إسبانيا ونصبوا أحدها فوق قوس باب توما! وحمدا لله أن البطل لم يكن فرنسا، وإلا لرفرف في سماء وطننا علم المستعمر الذي بذل أجدادنا دماءهم في سبيل طرده منه .. وكل ذلك في سبيل كرة القدم!

لسنا ضد التفاعل مع بطولة بمستوى كأس العالم، ولسنا ضد التعاطف مع الفرق – وإن كان يفترض أن يكون هذا التعاطف مبنيا على مصالح وقيم العرب والوطن – ولكن رفع علم غريب عن علم الوطن فيه من الخطورة بمكان. تابع المباراة، وافرح بتسجيل الأهداف، واحفظ أسماء اللاعبين، وشجّع فريقك ولاعبيه .. ولكن أن ترفع علمهم في سماء وطننا، فهذا هو الذي ينال من هيبة الدولة ويضعف الروح المعنوية ويوهن الشعور القومي!! ظاهرة تتطلب علاجا سريعا، وسن قوانين تجرّم الفعل تحت طائلة عقوبات تبدأ من غرامات مالية وتنتهي بالسجن لمن يكرّر .. كفانا تفاهة وعدم إحساس بالمسؤولية!

2 تعليقان
  1. هلأ بداية ً أنا كنت حاضرة مباراة كأس العالم النهائيّة بأحد الكافيتيريات و خليني قول أنـّو قوات حفظ الأمن كانت مستنفرة يوميتها بالشام !!

    بخصوص رفع الأعلام ، فحسب ما بعرف في قانون يمنع رفع علم أي دولة مشاركة بالمونديال ( بالأماكن العامة ) ما لم يكن العلم السوري مرفوع معها .. و برأي هالقانون أو هالقرار صائب جدّا ً ( عالقليلة صار فيك تلاقي علم لسوريا يباع بالسوق ! )

    عن الحالة الغريبة اللي بتسيطر عالشعب أثناء المونديال فهاد شي بقدر أفهم أسبابه لكن مابقدر افهم نتائجه اللي وحدة منها كان أنـّو سيارة مسرعة إحتفالا ً بالمباراة بساحة الأمويين تدعس 2 صبايا عم يقطعوا الشارع !! و أنـّو قوات الأمن تطر تنتشر بشوارع الشام لتحافظ على الأمن !!

    و السؤال برأي ما هو أنـّو مين هي اسبانيا و هل رح تحتفل لفوز سوريا أو لاء .. معلش خلينا نحتفل بس السؤال هو ليش بهالطريقة الهمجية ؟؟ سواء كان اسبانيا أو غيرها كل سنة في مشجعين بيطلعوا بالشوارع بهالهمجية و هاللاوعي هاد !!

    شيئ مؤسف !
    تحياتي

    • أشكر مرورك أخت طبشورة .. وأنا أتفق معك في أن هذا القانون جيد ولكن هل هو مطبق؟ أما اللامبالاة وعدم المسؤولية المصاب بها الشباب السوري بشكل عام فأمر محزن وغير مفاجئ في ظل غياب أهداف على مستوى أرقى يتم من خلالها استغلال الطاقات الشبابية في مجالات أخرى أكثر نفعا تساهم في نهضة الوطن. وأعتقد أن هذا هو الجواب لسؤال لماذا بهذه الطريقة الهمجية؟ الوعي لا يمكن تجزيئه عن الحالة الفكرية-السياسية التي يمثلها المجتمع.
      أشكرك مجددا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: