Skip to content

أليس بها نظر .. يا منتظر؟

5 ديسمبر 2009

كتبنا عدة مقالات لم تنشر العام الماضي عقب حادثة منتظر الزيدي الغنية عن التعريف وتناقشنا مع الكثيرين من الأخوة والأصدقاء حول صحة ما قام به أو خطئه. وموقفنا كان بالتأكيد هو رفض ما قام به منتظر الزيدي، وكنا نمشي بعكس التيار كالعادة على الأقل في الفترة الأولى بعد الحادثة إلى أن بدأت الأصوات الرافضة لفعل الزيدي بالظهور، ما وفر فرصة – على الأقل – لمناصري “ثقافة رمي الأحذية” على زعماء العدو لسماع الرأي الآخر!! 

لم يكن موقفنا الرافض للرمية نابعا من تأييدنا لسياسة بوش، لا أراه الله حقا في حياته، ولم يكن الموقف متماهيا مع سياسة احتلال العراق فلنا الشرف أننا عارضنا الغزو الأميركي لهذا القطر العربي العظيم منذ بدايته وساهمنا في المقاومة السلمية قدر ما أتاحته لنا الظروف. وهذا الموقف المعارض للغزو ليس تأييدا للنظام العراقي الأسبق (والذي يعتبر زواله هو الميزة الوحيدة التي جلبها الغزو) وليس تأييدا للرئيس العراقي الراحل صدام حسين – رحمه الله – ولو كان حيا لقلنا فيه كلاما آخرا في هذه المساحة. 

بل على العكس من هذا كله، فإن مضمون الرسالة التي أراد منتظر إيصالها مؤيَّدٌ من قبلنا ونوافقه فيه ولا جدال في هذا، فشخص مثل المجرم بوش لا يستحق إلا الإهانة، والاحتلال لا يجابه إلا بالمقاومة. ولكن اعتراضنا كان على الشكل، شكل الرسالة. اعتراضنا على الوسيلة دون الغاية، وكما تعلمون فإن الغاية لا تبرر الوسيلة، وكم من غاية سامية كدرتها سوء الوسائل. طرحنا هذا المنطق في حينها، وكانت الحادثة في أوائل ديسمبر/كانون الأول وقلنا في وقتها أن الإعلام قد شغل بحادثة منتظر الزيدي عن استشهاد فلسطيني في غزة بعد انتهاء الهدنة مع الكيان الصهيوني. لم يكترث الكثيرون واستمر الجدال حول “بطولة” منتظر وعروبته الحقيقية ودفاعه عن المظلومين واليتامى والأرامل .. حتى إنك لتحسبنه قد حرر فلسطين وأوجد لنا موطئ قدم في باحات الأقصى، ناهيك عن العراق!! 

وللأسف الشديد، صدق حدسنا وصدقت تنبيهاتنا وشن الكيان الصهيوني عدوانه السافر البربري الهمجي على غزة في 27 ديسمبر/كانون أول وحينها قطع الإعلام تغطيته لـ”غزوة منتظر” ليقوم بنقل الإرهاب الصهيوني مباشرة (ولكي لا أغبن أحدا، فللأمانة لم تقمْ قناة العربية بالاكتراث كثيرا لعدوان غزة!!). قام منتظر من حيث يدري أو غالبا لا يدري بشغل الأمة عن أمور عظيمة وجسيمة وأخطار محدقة ساعده في ذلك تفاهة إعلامنا وفوق ذلك طبع العربي الذي ينساق وراء عاطفته وغريزته وعصبيته دون تفكير أو موازنة للأمور أو عرضها على ميزان الصواب والخطأ. كيف تتوقع ذلك والسواد الأعظم تغيب عنه منظومة قيم أخلاقية تحكم أفعاله وتصرفاته وأحكامه على الأمور؟ 

عارضنا رمية الحذاء لأننا نؤمن أن أسلوب الحوار لا يكون بالأحذية، بل الحوار يكون بتبادل الآراء واحترام الاختلاف في الرأي. وما شاهدناه على التلفاز كان ترويجا لثقافة حوار الأحذية، ثقافة تصفية من يخالفك بالرأي، ثقافة تحقير من تعترض معه .. هذه هي الرسالة التي زُرِعت في اللاواعي العربي عند مشاهدته لرمية منتظر، بل إنها وجدت بيئة خصبة لدى المشاهد العربي الذي ترعرع على سياسة الرأي الواحد ومن يعترض فهو طابور خامس. 

وعلى فرض أن حوارا بناءً عديمُ الفائدة مع شخص مثل بوش – وهذا الطرح صائب إلى حد بعيد – ماذا جنى الزيدي من رميته؟ ماذا استفاد؟ أولا، لقد أدى بنفسه إلى التهلكة، فتعرض للضرب والإهانة ثم سجن واضطر حسب ما أذكر إلى الاعتذار من شخص لا يستحق الاعتذار بل ومتواطئ تماما مع بوش والسياسة الأميركية. ثانيا، لقد قام منتظر بشكل أو بآخر بالترويج لعراق ما بعد صدام، حيث أن فعلة مماثلة في عهد صدام لما كان عقابها أقل من الإعدام، بينما كانت الحكومة العراقية متسامحة جدا في تعاملها مع الحادث حتى وإن قارناها بمثيلاتها العربية .. بل إن قيام الزيدي نفسه بهذه الفعلة لهو دليل على إيمانه التام بأن ما سيصيبه من ضرر لن يكون في أسوأ الحالات أكثر مما أصابه. ثالثا، صحيح أن منتظر جعل من بوش أضحوكة العالم ولكن لا بد لنا من الاعتراف والإعجاب برد فعل بوش – والذي إن دل فإنه يدل على أن الرئيس في بلاد الغرب لا يصبح رئيسا إلا بعد تعب وشغل – فأن يقابل شخص بوزن بوش رمية حذاء بطرفة في ثانيتها (قائلا أن آخر ما يذكره أن مقاس الحذاء 10) دليل على احتواء الموقف. ثم أن يلي الطرفة بالتأكيد على أن ما فعله الزيدي هو دليل أن العراق أصبح ديمقراطيا لهو سرعة بديهة تكسب منطقه تأييدا حتى ولو كان فارغا خاويا. 

أكتب عن الحادثة مجددا بعد أن قرأنا كيف تم رمي منتظر بحذاء من قبل صحفي عراقي “لاجئ” في باريس. وإن كنا ضد مضمون وشكل هذا الفعل الذي لا ينتج إلا عن فاقد للحس الوطني، إلا أنه لن يفوتني أن أقول بأنه، للأسف، إن رسالتك يا منتظر قد وصلت للعرب .. وكنت من أوائل من استقبلوا هذه الرسالة. لذا، إن كنت تقرأ هذه الكلمات، ألا تعتقد أن في فعلك نظر؟

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: