Skip to content

من ذكريات الديمقراطية السورية

14 نوفمبر 2009

إن المتابع لمسيرة الحركة السياسية في سورية منذ نهاية الخلافة العثمانية إلى الآن (وبالأخص الحقبة الأولى من هذه الفترة)، يجد بلا أدنى شك غنى كبيرا جدا بالتطورات والأحداث والشخوص والقرارات والحركات والأحزاب وغيرها من العوامل السياسية التي صنعت تاريخ سورية وحاضرها وما زالت تصنع مستقبلها. بل وأنا أجزم أن الغنى السياسي في سورية إلى الجانب العراق يعتبر الأكبر في الوطن العربي هذا وإن لم يكن منافسا حتى على مستوى العالم. 

وليس من الغريب أن يتميز هذان البلدان الجاران بهذا الغنى السياسي فالموقع الجغرافي والثروات الطبيعية والأطماع المحيطة والدائمة والإمكانات البشرية كلها ساهمت في جعلهما في قلب الحدث بل قلب الحدث نفسه، تتسارع فيه المتغيرات وتتعدد فيه التفاصيل .. ربما طبيعة الإنسان العراقي والسوري المتمردين على واقعهما الرافضين للتبعية للغرب أو الشرق الراغبين في كيان متميز ودور متميز هو ما أدى أيضا إلى تسريع وتضخيم هذه التقلبات والمتغيرات. لذا ليس غريبا أن يكون طرفا الفتنة السياسية الكبرى في عهد الدولة الإسلامية هما أهل العراق من جهة وأهل الشام من جهة أخرى (وبعيدا عن أي تحليل وتفصيل للأحداث حينها، لكن لا شك أن رغبة أهل المنطقتين في استدراج مركز القرار إلى أرضهم ساهم في الاستقطاب الذي جرى بين المنطقتين) بل وإن النصر النسبي الذي تحقق لأهل الشام وساهم في تأسيس الدولة الأموية تم الرد عليه بعد حوالي القرن وانتقلت العاصمة من دمشق إلى الكوفة. ومن ثم كان هذان البلدان مركزي الدولة الإسلامية لما يربو عن ستة قرون وما رافق ذلك من نهضة وحضارة ورقي في مجالات الحياة كافة. 

لنعود إلى حديثنا عن سورية .. وأريد أن أخص في حديثي “الديمقراطية السورية” التي سبقت الكثير من الديمقراطيات في العالم، وليس فقط في الوطن العربي أو الإسلامي. وإن وضعنا جانبا شعب جزيرة أرواد (الجزيرة السورية المقابلة لساحل طرطوس) الذي مارس أول ديمقراطية في العالم تشابه المفهوم الحديث للكلمة الآن في إطار دولة ذات حكم ذاتي ضمن الحضارة الإغريقية، فإن لسورية المعاصرة السبق في كثير من المجالات أورد هنا بعض المحطات منها: 

لقد مُنِح حق التصويت للمرأة السورية عام 1949 لتكون بذلك من أوائل نساء العالم اللاتي يشاركن بالحياة السياسية في دولهن .. بينما مَنَحَت البرتغال هذا الحق لمواطناتها في السبعينيات .. وكذلك فعلت إسبانيا .. بل وإن تسع ولايات أميركية تلت سورية في منح نسائهن هذا الحق: فرجينيا (1952)، ألاباما (1953)، فلوريدا (1969)، كارولينا الجنوبية (1969)، جورجيا (1970)، لويزيانا (1970)، كارولينا الشمالية (1971)، وميسيسيبي (1984). وفي المقابل فإن سورية هي أول دولة عربية تقوم بذلك (زامنتها لبنان) لتسبق شقيقاتها (بل إن بعض الدول العربية ما زال يرفض منح المرأة هذا الحق وكأن الأم والأخت والزوجة والابنة لَسْنَ بشرا بل كائنات من كوكب آخر أو حتى من نفس الكوكب لكن فصائل أخرى!!). 

وبما أننا نتحدث عن المرأة، فسورية هي أول دولة عربية تعتلي فيها امرأة منصب نائب الرئيس ممثل بالدكتورة نجاح العطار (أخت الشيخ عصام العطار العضو في جماعة الأخوان المسلمين والنائب عن محافظة دمشق غير مرة في الخمسينات والستينات من القرن الماضي). بل إن ذلك لم يحدث في أميركا ذاتها (رغم أنه كان قريبا في آخر انتخابات). ولا نسرد هذه المعلومة لنقول أن الديمقراطية في سورية متقدمة على تلك في أميركا، فهذا ضحك على الذقون وكلام يصلح للبرامج الكوميدية وعيب على أي شخص أن يقول كلاما كهذا لأنه استغباء للشعب السوري، ولكن أقول ذلك لأوضح أن المرأة في سورية تحتل مكانة مرموقة شبه تلاشت معها الفروقات الاضطهادية التي كان يمارسها الرجال على النساء، وإن كان ذلك لا يعني أن مجتمعنا الشرقي تخلى عن ذكوريته. 

نغادر محطة الحركات النسائية لنحل في محطة الصحافة، فالصحافة السورية “كانت” تملك درجة من الحرية تشابه ما نراه في صحف أوروبا (أو صحف الأشقاء في لبنان) .. وسوف أذكر هذه الحادثة ناقلا إياها من أحد المصادر: 

كان يرأس مجلس الوزراء السوري في أواخر عهد الاحتلال الفرنسي لسورية الأستاذ “حقي العظم” وقد أورد الأستاذ “حبيب كحالة” في صحيفته “المضحك المبكي” الطرفة التالية:

اجتمع كلب وأسد على حمار ميت، فقال الأسد أنا حقي كل اللحم، فتلفت الكلب وبصبص بذَنَبِه ثم قال: وأنا “حقي العظم”.

فذهب بعض المتزلفين إلى رئيس الوزراء “حقي العظم” وقال له: ألا ترفع دعوى سب وقذف على المجلة يا “حقي بك” ؟ التفت إليه الرئيس التفاتة المغضب وقال له باللهجة السورية: “أيوه حتى اللي ما سمع بالقصة يسمع فيها!”. 

ومع تحفظنا على أسلوب هذه النكتة لأنها خارج أصول اللياقة والأدب ولكن أي ديمقراطية هذه كانت في سورية تكفل لرئيس تحرير صحيفة أن يتكلم على رئيس الوزراء بهذه الطريقة؟ إنها ديمقراطية تثبت أن السوريين ليسوا غرباء عليها، وأنها نشأت عندهم، وأنهم هم الذين نقلوها لغيرهم. 

وفي سورية تخرج احتجاجات ومظاهرات عام 1949 اعتراضا على نظام حكم شكري القوتلي “الدكتاتوري” كما وصفه المتظاهرون .. فإن كان القوتلي المنتخب دكتاتوريا، فماذا نقول عمن جاء بعده وعن نظرائه؟!! وإذا كان القوتلي الذي يسمح بخروج مظاهرات ضده دكتاتوريا، فماذا نقول عمن يقمع المظاهرات التي تطالب بلقمة العيش؟!! أنظروا هنا إلى مدى الحرية في سورية التي كانت تكفل للمواطن الخروج للاعتراض على رئيس أقل ما يمكن وصفه أنه وطني شريف مخلص حارب في سبيل استقلال سورية من المستعمر الفرنسي!!! 

واقرؤوا هذه القصة يا رعاكم الله، والتي تعود لفترة الخمسينات عندما ترأس القوتلي الجمهورية مرة أخرى، فقد كان في قصره طباعا واحدا فقط، فاحتاج القوتلي إلى طباع آخر (والطباعون هؤلاء يقومون بأعمال للدولة وليس لحساب الرئيس الشخصي) فأنزل القوتلي في موازنة ذلك العام طلبا لتوظيف طباع آخر … فما كان من رئيس اللجنة المالية في مجلس النواب إلا أن قال له: أتريد أن تحمّل الدولة مصاريف طباعا آخرا؟ إن لم يستطع طباعك أداء عمله قم أنت بمساعدته .. والتفت رئيس اللجنة المالية على من يسجل الملاحظات في الموازنة وقال له: أشطب البند. 

وحتى الحرية الدينية في سورية كانت مكفولة، ودولة المواطنة كانت رائدة، فالسوريون (أهل دمشق تحديدا) ينتخبون شيخهم مؤسس حركة الإخوان المسلمين في سورية مصطفى السباعي نائبا في البرلمان كما فعلوا مع عصام العطار، ونفس السوريين (أهل دمشق) ينتخبون فارس الخوري نائبا ليصبح رئيسا للبرلمان (وسورية كانت جمهورية برلمانية، فدور البرلمان كان أكبر من دور الرئيس) وثم رئيسا للوزراة ليكون أول وآخر رئيس وزراء عربي منتخب من الديانة المسيحية (ومن الطريف أنه في لبنان يكون رئيس الوزراء من الطائفة السنية فانفردت سورية بهذه الحقيقة إذا نحينا جانبا حادثة ترؤس العماد ميشيل عون لوزارة عسكرية في عام 1988 وكثيرون لا يعتبرونها دستورية لرفض الوزراء المسلمين الانضمام فبقيت حكومة الدكتور الحص هي الحكومة الدستورية). بل إن أهل دمشق أنفسهم الذين انتخبوا السباعي والخوري انتخبوا خالد بكداش، أول شيوعي عربي ومؤسس الحزب الشيوعي في سورية. هذه هي سورية الديمقراطية التي نبذت الطائفية وعلت فيها دولة المواطنة وأنتجت قانون انتخاب جديد في الخمسينات يلغي التقسيم الطائفي في الدوائر النيابية الانتخابية. 

هذا غيض من فيض تلك المرحلة الذهبية لسورية، المرحلة التي امتدت من عام 1936 إلى عام 1958، والتي انتهت بعد أن عبثت يد عبد الناصر – رحمه الله وغفر له – بتلك اللوحة الجميلة، رافق ذلك تصرفات بعض الشخصيات السياسية السورية التي فضّلت مصالحها الشخصية على مصلحة الوطن فتسببت بتدخل الجيش صيانة للدولة ليستلم زمام الحكم ويَدْخل البلد في دوّامة ما نزال نعيش تداعياتها .. ونتجت سورية التي نراها الآن .. رغم أن سورية تستحق أكثر وأفضل من ذلك .. مهبط الديانات ومهد الحضارات ونبض العروبة .. وقبل ذلك كله وبعده، أرض الرباط وملاذ المؤمنين ومهبط المسيح.

From → سوريات

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: