Skip to content

وضرب لنا مثلا ونسي خلقه!

17 أكتوبر 2009

وقوع منطقتنا العربية في نطاق أكثر المناطق المفضلة بالنسبة “لوكلاء المصائب” في العالم لقضاء “إجازاتهم” وكثرة ما تسببه هذه الزيارات من مناسبات عديدة وقضايا كثيرة بالإضافة لاهتمامي الخاص بموضوع الحريات والإصلاح في عالمنا العربي ينسيني في أحيان كثيرة أن أكتب عن مواضيع كثيرة أخرى تستحق التطرق إليها بل وأحيانا تفوق أهميتها أهمية مواضيع أخرى أكتب عنها. فقلت في نفسي أن “وكلاء المصائب” لن يتوقفوا عن التفكير وزيارة منطقتنا وبالتالي لدي متسع من الوقت للتطرق لمصائبنا المتجددة لذا سأخصص هذه المقالة عن موضوع آخر مختلف تماما. 

وفي حقيقة الأمر، بحكم قيامي بدراسة الطب فإننا حاليا ندرس مادة التشريح التي أوشَكَتْ على الانتهاء. هذه التجربة تستحق الكتابة عنها، بل ومقال واحد في هذا الموضوع هو بخس لحقه ولكن هذا ما تتيحه الظروف الآن. هذه المادة تتضمن قسمين، نظري وعملي. والقسم النظري هو كأي قسم نظري في أي مادة أخرى ولكن ما يميز المادة هو قسمها العملي الذي يتضمن “تشريح” .. بشر. لكل أربع طلبة جثة، كانت في يوم من الأيام شخصا يمشي ويأكل ويضحك وينام ويصرخ ويضرب ويتألم ويبكي، شخصا كان مثلي ومثلك ومثل أي إنسان في هذا العالم ولكنه اتخذ قرارا قبل موته بأنه يريد أن يهب جسده للعلم. كان لي تحفظات كثيرة على الموضوع قبل بداية دراستي ولا زال لدي الكثير من التحفظات الآن – رغم أنها قلت بشكل كبير – ومعظم هذه التحفظات تدور في فلك حرمة الإنسان وقدسيته. 

لا أنكر أن مادة التشريح لولا قسمها العملي لكانت أصبحت مادة جافة حفظية صعبة الربط بالواقع، ولكن من خلال التطبيق العملي على الجثث تصبح المعلومة أكثر واقعية وأسهل للحفظ والفهم وبالتالي الربط بباقي ما يتعلق بالعضو أو الجزء المدروس من أمور طبية. لا يوجد أدنى شك في أن “مسك” عضلات الذراع بيديك عضلة عضلة على سبيل المثال ثم تتبع الشرايين والأعصاب التي تمر من خلالها يجعل الأمور أكثر وضوحا. ولا شك أن النظر إلى حجرات القلب الأربع وما بينهم من جدران وصمامات وما عليهم من شرايين وأعصاب وعقد لمفاوية يجعل المعلومات الطبية أسهل هضما. أيضا لا أنكر الجانب الروحاني الذي أضافته هذه التجربة لي، كمسلم نشأ في المشرق العربي وتشبع من قيمه وثقافته. عندما كانت زميلتي تحمل قلب الجثة بين يديها كان الجمع يناقشون خصائص هذا العضو البيولوجية وما يتعلق بذلك بينما أنا كنت في وادٍ آخر أحاول فهم كنه هذا العضو الذي جعله يحتل مرتبة “إذا صلح صلح الجسد كله وإذا فسد فسد الجسد كله”. كنت أحاول أن أبحث عن تلك النكتة السوداء التي توجه الناس إلى الشرور. حديثا بعدما بدأنا تشريح الوجه، كنت أنظر في “وجهها” متأملا أي علامات سعادة أو شقاء. رأيت علامات شقاء في وجه جثة أخرى، نعم لقد كان عابسا، ووجه جثتنا ليس بذاك العبوس. رأيت مسببات موت كثيرة، أنسجة سرطانية في الرئتين أو الثديين، شرايين قلبية أو رئوية مسدودة أو غير طبيعية، غدد درقية متضخمة وغيرها .. ولكن ماذا الآن؟ قبل أكثر من شهرين كان الجسد كاملا، الآن لم يبقَ إلا أجزاء غير كاملة من الرأس وهيكل عظمي عليه بقايا عضلات هنا وهناك .. ولكن لا ألم ولا صراخ ولا استجابة لكل هذا. بعض الجثث ما زالت تحتفظ بأثر “المناكير” على أظافر اليدين .. ولكن ماذا جرى لهذا الجسد؟ تلك الذراع أو العين أو قلب أو الدماغ أو أو أو … أين العناية والاهتمام؟ وأين الصراع والتنافس على أمور الدنيا المختلفة؟ 

أمور تجعلك تتساءل، ما هو الفرق يا ترى بين ذاك الإنسان الذي يمشي ويأكل ويضحك ويبكي وبين هذا “الإنسان” الذي نشرحه؟ هل هذا الذي نشرحه إنسان أصلا بالمفهوم الإجتماعي للكلمة؟ عندما دخلت لمختبر التشريح أول مرة – وكان في قلبي رهبة فلم يسبق لي تشريح أحد من قبل! – لم أرَ إنسانا أمامي. رأيت جسدا مصفرا لا حياة فيه يمكن أن يصنف على أنه يعود لكائن من فصيلة الـ “هومو سيبيان” الذين نطلق عليهم “بشرا” فهناك تشابه كبير في التكوين البيولوجي-التشريحي والمظهر الخارجي، ولكن حتما لم يكن مثلي أو مثل زملائي الثلاثة الآخرين. إنها الروح، ذاك السر المذهل الذي يعطي للإنسان صبغته “الإنسانية” بمعجزة “فنفخنا فيه من روحنا”. أنا لا أسلخ هذه الجثث من صفتها البشرية، بل وطولبنا في شرعنا – كما الشرع الإنساني – باحترام قدسية هذه الأجساد، ولكن ما أحاول وصفه قد لا تشعر به إلا عندما تمر بنفس التجربة التي مررت بها .. تجربة قيام شخص يقدّس الإنسان ولا يقوى على إيذاء عنكبوت “بتقطيع” إنسان آخر .. إن صحت التسمية. 

نعم، لم أشرّح شيئا في أول مختبرين، وقفت على زاوية الطاولة واضعا يدي على فمي ناظرا إلى المشرط الذي يحدث القطوع في مختلف أنحاء الجثة. ونعم، اضطررت أن أغادر المختبر بعد أن أصبت بغثيان شديد عندما قمنا “بنشر” عظام الحوض طوليا بالمنشار لنفصل إحدى الرجلين عن الجسد. وإلى الآن، رغم أني قمت بنفسي بتشريح الوجه – وهو أصعب تشريح ربما – وإحدى اليدين والفخذ وإحدى القدمين، لا أسمح لنفسي أن أتعامل مع هذا الجسد الميت خارج ما هو مطلوب في “دليل المختبر” بل وأعامل الجثة وكأنها تعود لشخص نائم أحذر إيقاظه .. وأتمنى حقا لو كان هناك بديل يمكنّنا من كسب نفس التجربة وفوائدها دون أن نضطر إلى تشريح أجساد بشرية، ولكن عليّ الاعتراف أن تجربة كهذه لا يمكن أن تجد لها مثيلا يعطي نفس النتائج. بالمناسبة، حتما لن أكرر التجربة طواعية فما زلت أقدّس الإنسان .. أي إنسان .. حتى لو كان عبارة عن مجموعة عضلات وعظام هامدة باردة فوق طاولة يعبث بها من شاء ومتى شاء .. هذا هو الإنسان الذي سيأتيه يوم يقول فيه تعالى: “لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار”.

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: