Skip to content

تقرير غولدستون: إذا كان الكلام من الفضة، فالسكوت من “غولد”

3 أكتوبر 2009

سمع معظمكم عن تقرير غولدستون في نشرات الأخبار والصحف والمواقع الأخبارية، وهو تقرير أعده الجنوب إفريقي ريتشارد غولدستون عندما تم تكليفه من الأمم المتحدة كرئيس للجنة التحقيق في حرب غزة الأخيرة. ولكي لا أخدع أحدا وأوحي بأني قرأت التقرير، فإني لم اقرأه وكل معلوماتي عنه هي مستقاة مما قرأت من أخبار وتحليلات بخصوصه. وملخص ما فهمنا أن التقرير أدان إسرائيل وحماس على السواء ووصف ما قاما به أثناء حرب غزة بأنه جرائم حرب. لست في صدد الدخول في دراسة تفصيلية مطولة عن هذا التقرير أو أي تقرير أممي يصدر في خصوص القضية الفلسطينية حيث فقدت هذه المنظمة حيادها (إن وجد هذا الحياد) منذ أمد بعيد جدا، ولكني أريد أن ألفت النظر إلى عدة نقاط تخص هذا التقرير. 

إن السيد غولدستون هو صهيوني بامتياز، وهو رئيس جمعية أصدقاء الجمعية العبرية في القدس في جنوب إفريقيا، وابنته مقيمة في الكيان الصهيوني منذ أكثر من عقد، وأيضا فقد ساهم في مشاريع صهيونية عدة داخل وخارج إسرائيل. الخلاصة أن الرجل لا يوجد أدنى شك في ولائه لإسرائيل ومشروعها، وهذا يدفعنا للحديث عن أربع نقاط: 

النقطة الأولى، هي مدى الصهيونية التي وصلت إليها الأمم المتحدة بحيث تعين شخصا كغولدستون ليحقق في حرب أحد طرفيها هو الكيان الصهيوني الذي ينتمي له غولدستون بشكل أو بآخر. تلك الصهيونية التي لم تقابل بأي احتجاج عربي أو فلسطيني وهذا إن دلّ فإنما يدلّ إما على تقصير شديد في متابعة قضية من أهم القضايا التي تواجه أمتنا العربية في الوقت الراهن (أو حقيقة هي أهم القضايا على الإطلاق)، أو على خنوع شديد بحيث أصبح العرب أضعف من أن يعلقوا حتى على الأمور التي تسير بعكس مصالحهم، وفي كلا الحالتين نحن أمام طامة كبرى يصعب السكوت عنها. 

النقطة الثانية، هي شناعة الجرائم التي ارتكبها الصهاينة في غزة بحيث أصبح من الصعب جدا إخفاؤها واستلزم التخفيف من شدتها تعيين شخصية صهيونية لتقوم بإصدار تقرير يتساوى فيه الضحية والجلاد. نعم، تمت إدانة إسرائيل بحيث اعتُبِر ما قامت به جرائم حرب، ولكن سووِيَ ذلك مع ما قامت به حماس وكأن قنابل الفوسفور الأبيض الإسرائيلية التي استهدفت الفلسطيني وغير الفلسطيني ولم تفرق بين مدني وعامل في الأمم المتحدة تعادل صاروخ الكاتيوشا الذي في غالب الأحيان ينتهي في الصحراء دون أن يصيب حتى “عنكبوتًا” شارداً!! مجرد عدم القدرة على تجاهل ما قامت به إسرائيل يدل على مدى الإرهاب الذي بلغه هذا الكيان الإرهابي بحيث أصبح مستحيلا على صهيوني أن يخفي ذلك في تقرير أممي. 

النقطة الثالثة، هو رد فعل الكيان الصهيوني تجاه هذا التقرير والذي تميز بالرفض وعدم الاكتراث بل وعدم التعاون مع اللجنة ورئيسها. وهذا يذكرنا بما قالته ليفني أثناء الحرب نفسها بعد صدور قرار الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار والذي لم تلتزم به إسرائيل حيث قالت ليفني “إن إسرائيل ستفعل ما يتلاءم مع مصلحتها وأمنها القومي.” نعم، فقد وُهب الكيان الصهيوني ساسة يدافعون عن مصالحه ويضعون مصلحة إسرائيل فوق كل اعتبار، ولا يهابون أيا كان، دولة عظمى أو منظمة كبرى، عندما يتعلق الأمر بمصلحة إسرائيل. وما هي ردة الفعل المقابلة؟ احترام ما بعده احترام في زمن لا يحترم فيه إلا القوي. إسرائيل تدافع عن ما تعتبره “حقوقها” فتحترم، وكوريا الشمالية تدافع عن حقوقها فتحترم، وكذلك تفعل إيران .. بينما يخنع العرب دوما سواء كانوا على حق أو باطل، وسواء كانوا في موضع قوة أو ضعف. ينفذون القرارات المتعلقة بهم في الأمم المتحدة رغم أن إسرائيل إلى هذه اللحظة لم تنفذ التزاماتها المطلوبة منها عندما انضمت للأمم المتحدة (عندما تمت الموافقة على عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة عام 1949، تم ربط ذلك بقرارين: قرار عودة اللاجئين الفلسطينيين الذين تم تهجيرهم في حرب 1948، وقرار العودة إلى حدود قرار التقسيم الصادر عام 1947 .. وكما نرى الآن فالقراران لم تلتزم بهما إسرائيل، بل إن العرب ما زالوا يفاوضون على الأول وهم يقبلون بأدنى من الثاني!!). 

النقطة الرابعة، هي البراغماتية التي لاقت بها حماس هذا التقرير، فقبلت بتقرير يساوي ما قامت به أثناء الحرب بما قام به الكيان الصهيوني. أنا أتفهم رغبة حماس في التماشي مع المستجدات الدولية وإيجاد صورة جديدة يتقبلها فيها الأطراف الدوليون وأتفهم أيضا أن هذا التقرير هو مكسب حقيقي في فضح جرائم الإرهاب الصهيونية ولكني أريد أن أسألها سؤالا: هل تعتقد أن الجموع العربية التي أيدتها في حرب غزة وقبل حرب غزة فعلت ذلك لكحل عينيها أم أنها فعلت ذلك بسبب مواقفها ومبادئها؟ إن تنازل حماس عن مبادئها يعني تلقائيا تنازلها عن القاعدة الشعبية التي تؤيدها، فمن أيد حماس حينما كانت تحارب الصهيوني هو أول من سيقف ضدها عندما تضع يدها بيد الصهيوني. لم نصل بعد إلى تلك اللحظة وأتمنى ألا نصل، ولكني أدق جرس إنذار عسى أن يجد صدى لدى مسؤولي حماس وقادتها ويقوموا بمراجعة شاملة لقراراتهم ومواقفهم في الأشهر الماضية. وكذلك نتمنى عليهم أن يمدوا يد التعاون لفصائل المقاومة الأخرى كالجهاد الإسلامي فأولئك أيضا شاركوا في النضال وما زالوا ولا يحق لأحد أن يستثنيهم. 

ختاما، قد يكون تقرير غولدستون من التقارير القليلة جدا التي تدين إسرائيل وتصف أفعالها بجرائم الحرب، ولكن مقارنة بما يجري فعلا على أرض الواقع فهذا هو الحد الأدنى الذي يمكن تحصيله دون أي جهد عربي. ولو أراد العرب مصلحتهم حقا وتصرفوا كالدول التي تحترم نفسها لاستطاعوا أن يفعلوا الكثير .. يكفي تذكيرا أن العراق احْتُلَّت بسبب “شبهة” امتلاكها سلاحا كيمياويا، فكيف بالدولة التي ثبت مباشرة وعبر بث الأقمار الصناعية إلى مليارات المشاهدين أنها تستخدم هذا السلاح، وضد من؟ ضد بعثة الأمم المتحدة!! 

** قبل أن أنشر هذا المقال، قرأت على مواقع الأخبار أن السلطة الفلسطينية أيدت طلبا أميركيا-إسرائيليا بتأجيل النظر في تقرير غولدستون أمام مجلس الأمن (وبالتالي عدم تبني التقرير) .. وعلى الرغم من رفضنا للتقرير للأسباب الواردة أعلاه فإننا بالتأكيد لا نبارك خطوة السلطة الفلسطينية لأنها لا تنطلق من نفس المبادئ، بل على العكس تماما، فإنه يراد بهذا الموقف حماية الكيان الصهيوني من وصمه بمرتكب جرائم حرب. وأنا حقا أستغرب كيف أن رائحة عمالة مسؤولي السلطة وعبودية مواقفهم لإسرائيل دون أخذ المصلحة الوطنية بالاعتبار لم تزكم بعد أنوف الفلسطينيين الذين يمجدون ليلا نهارا لحركة “فتح” وقياداتها، حيث تكفي مواقفهم وتصريحاتهم الإعلامية لوصمهم بالعملاء دونما دليل حسي!! ولكن حقًا، إن لم تستحِ فاصنع ما شئت!

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: