Skip to content

المثقفون العرب ومعضلة إيران

4 يوليو 2009

بداية لا بد لي من الإشارة إلى أن دورية المجلة نصف الشهرية لا تسمح بتتبع الأحداث بشكل تفصيلي تحليلي سريع، ودوما يكون النظر إلى الأحداث المستجدة في رمق عربي من زاوية غير مكتملة إذا كان الحدث ما زال قابلا للتطور وجار مناقشته على الطاولة (شأن رمق عربي شأن أي وسيلة إعلامية ليس غرضها الحصري متابعة الأخبار). ومن هنا رأيت أنه لأهمية الحدث، وهو ما يحدث في إيران، لا بد من تسليط الضوء عليه بشكل أكبر رغم يقيني بأني لن أعطي صورة كافية ووافية من خلال مقالة واحدة في أحد أقسام هذه المجلة. 

قبل الخوض في الموضوع نفسه لا بد لي من تقديم “فحص الدم” المعتاد قبل حديثي عن إيران، خصوصا وأن لي موقفا متمايزا من هذه القضية، وأعني بفحص الدم هنا هو تأكيد مواقفي الثابتة والصلبة في خصوص القضية الفلسطينية ومقاومة التدخلات الأجنبية .. إلخ الأسطوانة. لماذا أفعل ذلك؟ لأن البعض للأسف ذاكرته ضعيفة جدا ومجرد اختلافك في الرأي معه يجعلك خائنا وعميلا وسائرا في المشروع الصهيو-أميركي!!! فيصبح من له تاريخ طويل في مساندة العروبة والقضية الفلسطينية والمقاومة “ضد المقاومة” و”متأمرك” لمجرد كونه أيد مرشح الإصلاحيين (وأكرر أن التأييد هو لمرشح الإصلاحيين وليس لشخص موسوي نفسه) ضد أحمدي نجاد!! وكاتب هذه السطور معروفة مواقفه في احتلال العراق وحرب تموز وحرب غزة ومساندة المقاومة ومعاداته لعملية السلام من حيث المبدأ (ليس كالبعض الذين يساندون عملية السلام إذا سارت “القيادة” فيها!!). وبعد فحص الدم هذا والتي كانت نتيجته “إيجابي” للمقاومة والعروبة وسلبي للعمالة والتبعية أدخل في صلب الموضوع. 

مضحكة طريقة تعامل المثقفين العرب مع ما يجري في إيران، ولا أقول هذا من باب الاستهزاء والتهكم ولكن فعلا ترى المثقفين محتارين فيما يقولون أو يكتبون. أحد الكتاب والمفكرين العرب المعروفين والمرموقين ذوي المواقف العروبية الثابتة والذين نحترمهم ونقدرهم للغاية بل ودوما ننطلق من نفس المبادئ والمنطلقات الفكرية، يكتب مقالة طويلة عريضة لا يعطي فيها موقفا محددا ويترك الأمور عائمة رغم أنك تستطيع أن تشم رائحة التعاطف مع موسوي. كاتب ومفكر عربي آخر أيضا مواقفه العروبية ثابتة وله احترام عندنا، يتميز بمساندته نجاد للعظم، يكتب مقالة (أتبعت مقالة كتبها بعد الانتخابات مباشرة كان يقف فيها مع نجاد بوضوح) وفي هذه المقالة الثانية يأخذ خطوة للوراء تجعله أقرب إلى المتفرج رغم أنك ما زلت تلحظ التعاطف مع نجاد. الساسة المحايدون (حيادا إيجابيا) يلزمون الصمت ويحاولون عدم التعليق. على صعيد العامة، اضطر أيضا كاتب هذه السطور وهو الداعم لموسوي منذ بدء حملته الانتخابية إلى التراجع خطوة بعدما قُتِل البعض في المظاهرات وبعدما أصبحت حكومات الغرب تندد بإيران. هذه الحيرة تراها أيضا لدى آخرين مثل أحد الأصدقاء، الملتزمين أيضا والمناصرين للقضية الفلسطينية ولمحور صد الأطماع الصهيو-أميركية، حيث قال هذا الصديق “أنا محتار في اتخاذ الرأي المناسب تجاه ما يحدث في إيران” في شكل يوضح أن الكثير من المساندين للقضية الفلسطينية والممانعين للمشروع الصهيو-أميركي في المنطقة لا يؤيدون بالضرورة أحمدي نجاد بل ويرغبون برؤية فريق إصلاحي يقود إيران ولكن يخافون من الاصطياد بالمياه العكرة الذي يمارسه الغرب. 

لما هذه الحيرة لدينا؟ من السهل أن يقول المرء “أنا مع” ومن السهل أن يقول “أنا ضد” ومن الأسهل أن يقف صامتا ويقول أن الأمر لا يعنيني. لذلك نرى الكثيرين من “الليبراليين الجدد” العرب (عبّاد أميركا والغرب) و”المحافظين الجدد” العرب (وهم فريقان، الإسلاميون المصابون بالحساسية من كل ما هو شيعي بالإضافة  إلى فريق ما لف لفيف الحكام من منتفعين أصحاب العقليات التقليدية في التفكير) والسذج من العوام الذين يصدقون إعلام هؤلاء .. أقول نرى هؤلاء يقفون مع الاحتجاجات في إيران. وفي حقيقة الأمر هم يقفون “ضد نجاد” أكثر من أنهم يقفون “مع موسوي” بل إنهم لا يكترثون بموسوي على الإطلاق ولا بالديمقراطية .. همهم هو الشماتة بإيران وكسر شوكتها فترى إعلامهم وقنواتهم وصحفهم تمجد بما يحدث في إيران وتطالب بالديمقراطية وتعظم معاناة الإيرانيين في ظل التزوير والدكتاتورية (فتخال أن دولهم، وهي معروفة ولا حاجة لذكرها، ملأى بالديمقراطية وأن حكامهم ينتخبون كل أربع سنوات بانتخابات شعبية شفافة وأن برلماناتهم تعددية لأبعد الحدود!!) وهذا إن يعبر فإنه يعبر عن لؤم في الطباع وخبث في السلوك وخواء في العقول .. وطامة بشكل عام على الصعيد العربي. 

على الطرف المقابل تجد “الجيفاريون الجدد” (نسبة إلى ثوريتهم .. المتهورة) أو “الناصريون الجدد” (نسبتهم إلى عبادتهم للزعيم الذي يكفيه أن يلقي خطابا يسب فيه إسرائيل ومن ثم له أن يتبعوه في كل شيء حتى لو أمرهم أن يلقوا بأنفسهم في البحر) فهؤلاء رغم أننا نتعاطف معهم كوننا أبناء فريق واحد بالتعريف الواسع لهذا الفريق (فريق الممانعة والمقاومة) إلا أننا نلومهم في اندفاعهم اللاواعي لتأييد نجاد لمجرد أنه ضد أميركا وضد إسرائيل .. بل ولا يهمهم، زوّر الانتخابات أو لم يزوّرها، انتهك الحريات أو لم ينتهكها، هذا لا يهمهم أبدا ما دام هو ضد أميركا!! بل وعندما تناقشهم فإنهم يقولون أن مسؤولي الغرب يؤيدون موسوي لذلك نحن مع نجاد، وكأن هذا سبب كاف لإدانة موسوي والوقوف مع نجاد!! هذا الفريق في حقيقة الأمر هو “مع نجاد” بغض النظر عن البديل، فقيادات الفريق زكّت نجاد وأعطته صك “طهارة” وبالتالي ينبغي على أتباع الفريق جميعهم تأييد نجاد!! هل هم ضد موسوي؟ في حقيقة الأمر لا، يكفي أن يصمت الغرب ويبارك خامنئي موسوي ليقف جل هذا الفريق مع موسوي .. إنهم فريق لا يكترثون بمبادئ مثل الحرية والديمقراطية والتعددية والإصلاح – كيف يفعلون وحكامهم أصلا لا يكترثون لذلك؟ (قرأت أن هناك 50 مدينة في إيران بلغ فيها عدد الأصوات أكثر من العدد الذي يحق له التصويت .. وأكد مجلس صيانة الدستور هذه الحقيقة ولكن قال أن مجموع هذه الأصوات 3 ملايين وبالتالي لن تؤثر على النتيجة النهائية!! أنظر طريقة التفكير هذه يا رعاك الله) 

هذان الفريقان للأسف لا ينطلقان من مبادئ (أو على الأقل فإن الفريق الأول ينطلق من مبادئ غير شرعية – لا دينيا ولا أخلاقيا – على مستوى القيادات ويتّبعهم على مستوى العامة أناس سذج صدقوا ما يعرض عليهم من حجج .. أما الفريق الثاني فإنه ينطلق من مبادئ غير كاملة ويتعاملون مع غيرهم بنوع من الفوقية فهم الطاهرون وغيرهم لا وهم الوطنيون وغيرهم لا) بينما الحل يكمن في المثقفين أنفسهم، المحتارين في اتخاذ موقف. هؤلاء المثقفون لما كانوا يتوانون عن دعم حزب الله في حرب تموز أو حماس في حرب غزة أو التهكم على عملية السلام. ولكن نحن الآن أمام معضلة. هؤلاء المثقفون لا يستطيعون إلا محاربة الدكتاتورية وتكميم الأفواه ويساندون الإصلاح ويدعمون الحريات، كيف لا وهذه مطالبهم دوما؟!! وهذا يحتم علينا الانحياز إلى موسوي ضد أحمدي نجاد .. ولكن ما يجري هو محاولة الغرب التدخل في الموضوع واستغلال الأحداث “الإيرانية 100%” من أجل كسب نقاط أو إضعاف إيران، ونحن بالتأكيد ضد المشاريع الغربية في المنطقة، التي لم يطلنا من ورائها إلا الضعف والهوان والتشرذم (والعبرة دوما من قصة “أُكلتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض”). إذاً ما هو الحل؟ الحل هو القيام بالخطوة الأصعب وهي دور المثقفين: أن يقول المرء “أنا مع ولكن بشروط .. ” و “أنا ضد ولكن بشروط …”  الحل هو عدم التفريط في المبدأ .. الأمور واضحة والوقوف مع موسوي هو خيار كل إنسان حر يؤمن بالإصلاح وبقدسية الحريات، ولكن على أن تتم عملية الإصلاح بأيادٍ إيرانية خالصة لا يكون فيها أي يد غربية. الحل هو أن نقول بصوت عال: نحن مع موسوي، ولكن فليصمت الغرب. الحل هو أن نشد على أيدي إخوتنا الإيرانيين ونقول لهم (كما قلت لكثير من أصدقائي الإيرانيين في الفترة الماضية في محاولة لإيجاد هذا التوازن): حظا موفقا، نتمنى لكم النجاح، أنتم “وفقط أنتم بمفردكم” تستطيعون صنع التاريخ مجددا كما صنعتموه قبل ثلاثين عاما. أما إن كان الغرب صادقا في تمنياته الديمقراطية لإيران، فليقم بدعم إيران بالدعاء …. وليغلق فمه أثناء الدعاء! 

ملاحظة: تجدر الإشارة إلى أن الدعم الغربي الإعلامي يضر كثيرا بموسوي وأتباعه، وهنا نتساءل إن كان الغرب متعمدا الإضرار بموسوي من أجل تثبيت نجاد أم أن هذه التصريحات تقال فقط لمجرد تذكية الفتنة وإشعالها أكثر في إيران، أم أن الغرب يتصرف بغباء شديد ولا ينتبه إلى أنه يضر بمرشح الإصلاحيين. نشك في الخيار الأخير ونرجح الخيارين الأوليين.

From → عروبيات

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: