Skip to content

إصلاح قانون الانتخاب: النسبية خيارا

4 يوليو 2009

كما قلنا في مقال سابق، إن إصلاح النظام العربي يتطلب وجود برنامج متكامل وتوافر عدة عوامل لكي يؤتي هذا الإصلاح أكله. وإصلاح القانون الانتخابي ما هو إلا حلقة واحدة فقط ضمن سلسلة متكاملة من الخطوات يجب اتخاذها، وإن إصلاح هذه السلسلة بمفردها بمعزل عن غيرها لن يأتي على الغالب بالنتيجة المرجوة. ومع ذلك، فهذا لا يعني أن نستهين بتأثير إصلاح القانون الانتخابي على عملية الإصلاح لأن القانون الانتخابي هو الأساس الذي يتم من خلاله القيام بالانتخابات والتي بدورها تمثل المناسبة التي يختار فيها الشعب ممثلينه في البرلمان. وإن كان هذا الاختيار موفقا فإنه على الغالب سيتم دفع العملية الإصلاحية نحو الأمام بدرجات كبيرة تسرّع من وتيرة الإصلاح. وليكون الاختيار موفقا يتوجب توافر قانون انتخاب يكون هدفه مصلحة الدولة وشعبها وجوهره توفير فرصة عادلة ومتساوية لجميع المرشحين ليتم الاختيار فيما بينهم بشكل يعتمد على الكفاءة والبرنامج الوطني بشكل أساسي وبعيد عن العصبيات أيا كانت أو عن المصالح خاصة إن كانت تتعارض مع المصلحة العامة ناهيك عن تعارضها مع المبادئ والأخلاق التي يجب أن تضبط العمل السياسي. 

مع هذه المقدمة، فإنه يتبين أننا نطالب بوجود قانون انتخاب – في كل الدول العربية – يراعي فرصة التمثيل الحقيقي الوطني الخاضع للبرامج السياسية والمبادئ الوطنية والإنسانية بحيث لا يخلّ بهذا التمثيل ابتزاز المرشحين وتلاعبهم بحاجة المواطن واستغلالهم لنقاط الضعف التي تنوجد – ودوما يوجد نقاط ضعف في أي مكان ولدى أي جماعة من البشر. كذلك نطالب بأن يوفر هذا القانون تمثيلا عادلا لجميع أبناء الوطن على أن لا يكون أساس هذا التمثيل القبيلة أو الطائفة أو المذهب أو العرق أو الطبقة أو المنطقة أو الجنس. بل يكون هذا التمثيل العادل أساسه الانتماء للوطن – كل الوطن – ووجود قانون منصف ينطلق من الرغبة بالتمثيل العادل الحقيقي ولجميع الشرائح بلا استثناء ولكن على أساس الانتماء الوطني سيوفر بلا أدنى شك التمثيل المطلوب دون الدخول في زواريب تقسيمات طائفية أو عرقية أو طبقية أو مذهبية أو قبلية أو مناطقية أو حتى جنسية – كما يطالب البعض. هذا لا يعني أن قانون انتخاب كهذا هو قانون منزل من السماء أو أنه سحر بديع سيحقق جمهورية أفلاطون (اليوتوبيا التي رسمها في كتابه والتي لا يمكن أن تتمثّل في الواقع أبدا، بل سطرها في كتابه وستبقى هناك ما دامت الحياة) ولكن الحرص على قانون سليم صادر بنوايا حسنة صافية وطنية التوجه سيؤدي بالطبع إلى التضييق على الاستغلاليين والانتهازيين قدر الامكان، وسيحد من فرص ضعاف النفوس (أو حتى أعداء الوطن) من استغلال الانتخابات للوصول إلى مآربهم. كذلك فإن قانونا كهذا سيفرض على المواطن التصويت بناء على المبدأ والبرنامج الانتخابي – لا على الغريزة أو المصالح الشخصية. الاستثناءات ستبقى دائما موجودة ولكن هناك فرق بين محاربة الشذوذ وظهور استثناء أو اثنين من فترة لفترة، وبين أن تترك هذه الاستثناءات ويتاح لها المجال لتكبر وتصبح ظاهرة مستفحلة يصعب محاربتها لاحقا، إن توفرت إرادة المحاربة والإصلاح. 

إذاً، بعد أن تحدثنا في المثاليات، وقمنا بعملية التنظير الفلسفي أعلاه، كيف يمكننا أن نترجم هذه الكلمات الجامدة (والمملة ربما، لذا فإني أشكرك فعلا إن استطعت المقاومة والوصول إلى هذه النقطة في المقال) إلى تطبيق عملي؟ إن أي قانون انتخابي يجب أن يلحظ خصائص الدولة ومميزاتها وطابعها والعوامل المتضافرة فيها (دون الخروج عن الخطوط العامة التي رسمناها أعلاه) لذلك فإنه يصعب إصدار قانون انتخاب واحد صالح لكل دولة وفي أي زمان، شأن ذلك شأن الديمقراطية التي لا يمكن أن تطبق بمفهوم واحد وبصورة واحدة في كل زمان ومكان، بل يجب أن تُراعَى خصائص الشعب وتفاعلات عاداته ومعتقداته وتركيبته قبل الممارسة. ولكن بشكل عام ومن خلال الكثير من التجارب شرقا وغربا وفي دول عدة توزعت على العوالم كلها، الأول والثاني والثالث، وعلى الأديان كلها والحضارات كلها، يبدو قانون الانتخاب النسبي هو أفضل القوانين التي يمكن اتباعها لما فيها من ميزات نوردها هنا. 

أولا، إن قانون الانتخاب النسبي يحقق تمثيلا واسعا لشرائح عدة في الوطن وجماعات كثيرة قد لا تحقق نسبة الأصوات الكافية لإيصالها إلى الندوة البرلمانية في نظام انتخابات أكثري مثلا، ولكن يوفر لها القانون النسبي تمثيلا يتلاءم مع حجمها الحقيقي على أرض الواقع، دون تفريط كامل في هذا الحجم (كما يفعل القانون الأكثري) أو تضخيم كبير لهذا الحجم. ومن شأن هذا التمثيل إيصال صوت جماعة من الناس يؤمنون بشيء معين وبرنامج محدد ولهم الحق في أن يكون لهم ممثلهم عن هذا البرنامج في البرلمان. 

ثانيا، إضافة إلى التمثيل الواسع فإن القانون النسبي، وكما يظهر من اسمه، يوفر تمثيلا نسبيا للقوى على أرض الواقع كل بحسب نسبة المؤيدين من مجموع الشعب بحيث لا يحتكر حزب واحد معظم مقاعد البرلمان، وبحيث لا يتم إقصاء وإلغاء أحزاب وإن كانت صغيرة إلا أن لها حيثية معينة لا يجب تجاهلها، وبحيث لا يتم تضخيم أحجام قوى قد تقرر مصير الأمة بأسرها وهي لا تمثل الغالبية في حقيقة الأمر. معظم القوانين غير النسبية تتسبب في وصول فئة حاكمة (أكثرية برلمانية) لا تملك أكثرية شعبية، وإن كان ذلك بالمطلق على أقل تقدير (وأعني بالجملة الأخيرة أنه ربما تحكم الفئة التي تحصل على أكبر قدر من الأصوات، يعني مثلا حصول فريق ما على أكبر قدر من الأصوات بين الفرقاء ولنفترص أنه 40% من الأصوات وهذا قد يؤدي إلى حصوله على 60% من مقاعد البرلمان وبالتالي يحكم هذا الفريق بمفرده رغم أنه لا يملك الأكثرية المطلقة من الأصوات التي تفوضه التحكم بقرار الأمة .. وفي حالات أسوأ كالتي جرت في لبنان مثلا، قد تحصل الأكثرية البرلمانية على عدد أصوات أقل ومع ذلك تفوز في الانتخابات ويكون لها الأغلبية في البرلمان وربما تحكم بمفردها رغم أنها تعتبر أقلية على المستوى الشعبي!! وللتذكير فإن فريق 14 آذار الذي حصل على الأغلبية البرلمانية بنسبة 55% تقريبا من مقاعد البرلمان قد حصل على المستوى الشعبي على حوالي 45% فقط من الأصوات!!). 

ثالثا، إن القانون النسبي يفرض على المرشحين عرض برنامج انتخابي وتصوّر معين في باله للدولة وأهم القضايا التي تهمها وعن الخطوات التي سيقوم بها في حال فوزه في الانتخابات (والحديث دوما بصيغة المذكر لأن في اللغة العربية عند عدم التخصيص فإن صيغة المذكر تعبّر عن الرجال والنساء معا، بعكس صيغة المؤنث التي تخص النساء. كل المحبة والتقدير لدور المرأة في المجتمع العربي ونحن نشجع المرأة التي تمثل أكثر من نصف المجتمع بل هي دينامو المجتمع ومولّد أفكاره ومنتج عباقرته وعظمائه، نقول أننا نشجعها على المشاركة والتمثّل في البرلمان وهذا حقها ولا يمنّ عليها أحد بهذا). إذاً، القانون النسبي يفرض وجود برنامج معين ورؤية معينة (رغم بديهية هذا الشيء عند الترشح، فالمفروض أن المرشح يود تمثيل الناس في برنامج معين لا من أجل مكاسب ومصالح شخصية أو فئوية أو غريزية) ويقوم قانون الانتخاب النسبي بهذا من خلال تصعيب عملية نجاح مرشح بمفرده دون تعاونه مع مرشحين آخرين، وعادة يتم التعاون بين مجموعة من المرشحين على مبادئ وأُطُر معينة يتولّد عنها برنامج سياسي (واقتصادي واجتماعي وثقافي .. أي رؤية سياسية متكاملة) ويتوجّب الصدق في طرح هذه الرؤية لأن النظام النسبي يجعل فوز لائحة كاملة أمر صعب للغاية وبالتالي فإن التجانس والتناغم بين أفراد اللائحة وتفضيل المصلحة العامة ونجاح البرنامج على المصلحة الشخصية والمكاسب المادية يصبح الوسيلة الوحيدة للنجاح في الانتخابات، فيضطر المرشح مرغما إلى سلوك هذا الطريق وإلا فإنه خاسر لا محالة. 

رابعا، فضلا عن التعاون ما قبل الانتخابات فإن النظام النسبي يفرض تعاونا بين الناجحين بعد الانتخابات لأنه على الغالب لن تكون هناك أكثرية برلمانية بيد فريق واحد دون تحالف مع فرقاء آخرين. وعلى هذا لن يستأثر فريق واحد بقرار الأمة جمعاء بل سيجنح الفائز بالانتخابات إما إلى التعاون مع أفرقاء آخرين بغرض الوصول إلى الأكثرية المطلوبة للحكم (وهذا التعاون يفرض الأخذ بأكثر من برنامج وبتمثيل لفئات أكبر من الشعب في الحكم) أو أن يقوم الفريق الفائز بتشكيل حكومة وحدة وطنية يتمثل فيها الجميع وفق برنامج وطني شامل. وبالتالي فإن القانون النسبي يفرض التوافق بين فئات المجتمع حكما، بل يصبح التقليد السياسي هو التوافق أما الاستئثار فيصبح مستحيلا من الناحية العملية، بل على النقيض تماما، فإن الفائز في الانتخابات قد يضطر للبقاء في المعارضة إن رفض التعاون مع غيره أو إن كان لدى بقية الفرقاء برنامجا سياسيا مختلفا عن برنامج الفائز (وشاهدنا هذا في الكيان الصهيوني والذي يتبع نظاما نسبيا صرفا في الانتخابات حيث على الرغم من فوز حزب كاديما بزعامة تسيبي ليفني في الانتخابات، إلا أن النظام النسبي أتاح للحزب الثاني حزب الليكود أن يتعاون مع بقية الأحزاب وفق برنامج يخدم كيانهم ليجتمع الخاسرون في السلطة بينما يبقى الحزب الفائز في المعارضة). 

وذكر هذه المميزات لا ينفي وجود بعض العيوب في القانون النسبي، ولكن لا يوجد قانون خالٍ من الأخطاء، والسعي دوما يكون لتطبيق الأفضل، والقانون النسبي فيه من المميزات ما يطغى على عيوبه ويجعله أكثر قبولا من غيره من القوانين. للقانون النسبي عيبان أساسيان، العيب الأول هو نفسه الميزة الرابعة التي ذكرناها آنفا وهي فرض التعاون بين الفرقاء الناجحين من الانتخابات. وتصبح هذه الميزة عيبا عندما يرفض الفرقاء التعاون، ولا يمتلك أحدهم أكثرية تخوله تشكيل حكومة والحكم وبالتالي نصبح أمام أزمة حكم. طبعا لا يحدث هذا كثيرا ولكنه حدث وممكن أن يحدث خاصة عندما تغلب المصالح الحزبية على مصلحة الوطن. هذا العيب يتم تجنبه بأكثر من طريقة، بعضها يكون على شكل تعديلات معينة على قانون الانتخابات بحيث تظل نتيجة الانتخابات تتطلب شيئا من التعاون بين الناجحين دون أن يؤدي غياب هذا التعاون إلى أزمة حكم، وبعض هذه الإجراءات تكون على شكل خطوات دستورية أو قانونية تتخذ في حال الوصول إلى أزمة حكم، وبعض هذه الإجراءات يكون أيضا بعد الانتخابات ولكن تكون متبعة بشكل دائم بغض النظر عن وجود أزمة حكم من عدمها. 

العيب الثاني هو أن القانون النسبي بطبيعته ينحاز إلى الأحزاب على حساب المستقلين (ولا يعني أننا ضد الأحزاب رغم عدم انتماء كاتب هذه السطور لأي منها، بل إننا نؤمن بأن وجود الأحزاب ضروري وهام جدا بل هو الأساس في تسيير الحياة السياسية الصحيحة والسليمة بشرط وجود الوعي لدى المواطنين والساسة على السواء وتغليب مصلحة الوطن على المصالح الحزبية) وسبب هذا الانحياز هو قدرة الحزبيين بسبب تركيبة الأحزاب على تشكيل لوائح وتقديم برامج سياسية مبنية على مبادئ وأهداف وتوجهات معدة مسبقا تميز الحزب عن غيره، بينما يحتاج المستقل لكي يعمل بشكل مضاعف ومتواصل للوصول إلى لائحة فيها تناغم وتجانس وبرنامج سياسي يستطيع المنافسة. ومع ذلك فإنه أيضا يتم إدخال بعض التعديلات على قوانين الانتخاب من أجل تلافي هذه النقطة رغم أنها ليست نقيصة بشكل حرفي ولكنه السعي الدائم لتوفير الفرصة العادلة للجميع.

From → مدنيات

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: