Skip to content

الحياد الإيجابي .. الوسطية المطلوبة!

20 يونيو 2009

في إحدى مقالاتي المتعلقة بالانتخابات اللبنانية كنت قد اتخذت موقفا مؤيدا لفريق المعارضة القديمة-الجديدة مقابل فريق الأكثرية المسماة بفريق 14 آذار فقام أحد الزوار الكرام بمطالبتي بالحيادية. حينها كان ردي واضحا وهو أن الحيادية التي يقصدها هي حيادية سلبية مذمومة، تعني اتخاذ “اللاموقف” ورؤية الحق والباطل يتصارعان ثم الاصطفاف جانبا بزعم الحيادية! الحيادية السلبية هذه تعني أن تكون لا شيء في هذه الحياة، أن ينعدم صوتك فيصبح بلا وزن، وينعدم رأيك فيصبح بلا طعمة، وينعدم موقفك فيصبح بلا اتجاه، بل تنعدم الفطرة السليمة لتصبح بلا بصيرة توجهها حيث الحق. 

الحيادية أعزائي يجب أن تكون حيادية إيجابية وفيها لا بد للشخص (أو الفريق أو الدولة) أن يتخذ موقفا ما باتجاه قضية ما بحيث ينحاز موقفه إلى جانب الحق (أو ما يراه حقا) ضد الباطل. الحيادية الإيجابية تعني بكل بساطة جعل اتخاذ المواقف وإبداء الآراء مبنية على مجموعة من المبادئ والقيم التي تحكم الإنسان فتكون البوصلة التي تحكم سلوكه وتوجهه. الحيادية الإيجابية هي الوقفة المبدئية الأيديولوجية البعيدة كل البعد عن البراغماتية والانتهازية والحلول الجزئية أو المجتزئة المبنية على المصالح أو العواطف أو غيرها. الحيادية الإيجابية تعني حتما عدم الوقوف جانبا دون أن يكون لك رأي فيما يحصل بحجة الحياد، وأيضا تعني عدم التعصب لفريق بشكل أعمى دون التبصر في الحقائق وموازنة الأمور لدراسة إن كانت تتطابق مع منظومة القيم والمبادئ التي يحملها الإنسان. وفي نفس الوقت الحيادية الإيجابية لا تعني عدم الواقعية، فالواقعية مطلوبة في التعامل مع الأمور بشرط عدم التناقض مع المبدأ. 

القاضي على سبيل المثال، هل مطلوب منه أن يكون حياديا بمفهوم أخينا الزائر؟ إن كان كذلك فهذا يعني أنه يجب عليه ألا يحكم ضد أحد، ولكن في حقيقة الأمر المطلوب من القاضي أن يلزم الحياد الإيجابي بأن يحكم لصالح الحق ضد الباطل بناء على ما بين يديه من قوانين وحقائق وما يمليه عليه ضميره. وكلنا مطلوب منا أن نكون قضاة في هذا المجتمع فنلزم الحياد الإيجابي الذي يبعدنا عن التعصب الأعمى لفريق ضد الآخر والذي يبعدنا أيضا عن السلبية في الموقف التي تجعلنا ضمن أكثرية صامتة لا قرار لها ولا رأي. 

أتكلم عن الحيادية الإيجابية هنا وأمتنا العربية الآن منقسمة إلى فريقين في كل الأمور، وللأسف فإما أن تلزم هذا الفريق أو تلزم الآخر، كأنه أمامك باقتين، إما أن تأخذ الأولى كاملة أو تأخذ الثانية كاملة وإلا فإنك “خائن” في نظر كلا الفريقين. فأنت إما مع محور الممانعة العربي (وباقته المتمثلة في التأييد التام لمواقف سورية وقطر و8 آذار في لبنان وحماس في فلسطين وأحمدي نجاد في إيران وخيار المقاومة والعداء المعلن للفريق الآخر – ولا بأس إن أيدت كوبا وكوريا الشمالية وفنزويلا وأوسيتيا الشمالية وغيرها من الدول – وأي خروج ولو بسيط عن أي تفصيل مما سبق يجعلك خائنا وعميلا ومتواطئا و و و .. إلخ الديباجة) وإما مع محور الاعتدال العربي (وباقته المتمثلة في التأييد التام لمواقف المملكة السعودية وما لف لفيفها من دول الخليج ومصر والأردن و14 آذار في لبنان وفتح في فلسطين والأطروحات الغربية وخاصة المقدمة من الولايات المتحدة الأميركية وثم تأييد خيار السلام والمبادرة العربية والعداء المعلن للفريق الآخر – ويلزمك انضمامك لهذا الفريق أن تعترف بكوسوفو وتؤيد الثورة البرتقالية في أوكرانيا والثورة البيضاء في جورجيا وغيرها من ثورات قوس القزح – وأي خروج ولو بسيط عن هذه الباقة يجعلك إرهابي معادٍ للسنة* تكره الحياة وتحب الموت و و و .. إلخ الديباجة). 

وفي الواقع، لا أخفي أني أميل (بل في أحيان كثيرة أنا جزء) من محور الممانعة العربي (وهو المحور الذي ينتمي إليه غالبية الشعب العربي شاء من شاء وأبى من أبى فهذه حقيقة). لكن هذا لا يضفي على هذا المحور ومكوناته أي قدسية تمنعني من انتقاد ما أراه خاطئا بل والوقوف ضد ما أراه باطلا حتى وإن لزم ذلك الانتقال “المؤقت” إلى صفوف المحور الآخر. هذه هي الحيادية الإيجابية. لا شك أني ضد المشروع الصهيو-أميركي ولا شك أني جاهرت بتأييدي لحزب الله وحماس في حربيهما ضد الكيان الصهيوني (وأصف كل من وقف ضد الحركتين في الحربين بالخائن العميل) ولكن هذا الشيء لا يجب أن يكون حاجزا يمنعني من أن أقول أن بعض التصرفات الحمساوية كانت خاطئة وأضرت بالقضية، وأن سلاح حزب الله وإن كان وجوده مشروعا وموجها في وجه عدو نجس، إلا أنه يجب في نهاية الأمر تجريده من هذا السلاح ليصبح السلاح في يد جيش الدولة الرسمي، وفقط في يد جيش الدولة الرسمي. الحيادية الإيجابية هي توصيف الأمور انطلاقا من المبدأ لا العاطفة، وإيمانا بأن الخطأ لا يعالج بالسكوت عليه ولكن بالصراخ عاليا لكي يصحّح، مع الأخذ بالاعتبار المصلحة الوطنية بالتأكيد.

لا شك أن الحياد الإيجابي مغيب في الوطن العربي، فترى العربي إما مع هذا الفريق وباقته الكاملة وإما مع ذاك الفريق وباقته الكاملة (أو الخيار الأسوأ أنه عديم الرأي لا مع هذا ولا مع ذاك وهمه أن يأكل ويشرب وينام!! مجددا: الحياد السلبي!!) وقلة هم من استطاعوا أن يكونوا على الحياد الإيجابي. أذكر هنا بعض الشخصيات التي تلتزم الحياد الإيجابي من باب إعطاء المثال لا من باب المديح الذي لا يعطيه شخص مثلي لشخصيات كبيرة كشخصية الدكتور سليم الحص، عبقري الحياد الإيجابي الذي لا يتكلم إلا بما يراه حقا ولا يغلّب العاطفة على العقل (وهذا لا يعني أن العاطفة شيء سيء ولكن في قضايا الوطن وشؤونه لا ينبغي أن تكون العاطفة هي الحكم، الوحيد على الأقل). وكذلك نذكر الدكتور عزمي بشارة المفكر العربي الذي تتحرك بوصلته دوما بالاتجاه الصحيح وانطلاقا من المبادئ والمعتقدات الوطنية الإنسانية. شخصيات كهذه للأسف يحاوَل تغييبُها إما عمدا من أجل إشعال وتأجيج الفتن في عالمنا العربي، أو جهلا لأن الإنسان بطبعه يميل للعصبية والاصطفاف إن لم يحكّم العقل مع العاطفة.

والحيادية الإيجابية تعني الوسطية أيضا حتى وإن كان ذلك الذهاب إلى أقصى اليمين أو أقصى اليسار .. فرفض عملية السلام وعدم الرضا بشبر واحد أنقص من أرض فلسطين هو قمة الوسطية حتى وإن اعتبر هذا تطرفا وجنوحا إلى أقصى اليمين لأن الحق يقول هكذا. والدفاع عن الحقوق الإنسانية والحريات وبالأخص حرية الكلام والاعتقاد هو قمة الوسطية حتى وإن اعتبر ذلك “ليبرالية” وجنوحا إلى اليسار لأن الحق يقول هكذا أيضا، وهلم جرا. فالوسطية ليست بالضرورة أن تكون في منتصف الطريق بين رأيين بقدر ما هي أن تكون عند نقطة الحق بغض النظر عن موقعها في طيف الأفرقة السياسية والفكرية.

وبعد أن أسهبت في الشرح سأعطي هنا بعض الأمثلة أختم بها مقالي هذا. قبل اعطاء الأمثلة أريد أن أذكركم أن مواقفي بشكل عام تحسب على محور الممانعة وأنا من أكثر المتشددين في الحفاظ على الحقوق الفلسطينية (أرضا وشعبا ومقدسات) وكتاباتي ربما تتكلم عن نفسها ولكن انظروا إلى الأمثلة التالية. المثال الأول هو المصالحة العربية التي جرت في الكويت بين زعماء المحورين العربيين بعد انتهاء العدوان على غزة. للأسف الشديد فإن المؤيدين لمحور الممانعة تقبلوا هذه المصالحة وانجروا خلف قائدَيْ محور الممانعة العربي دونما الهمس ببنت شفاه (فيما أصفه، وإن كان التوصيف قاسيا، بالتبعية العمياء المتمثلة في الثقة العمياء بأشخاص – هم في النهاية بشر قد يصيبوا وقد يخطئوا – دون العودة إلى منظومة قيم ومبادئ يجب أن تكون متوفرة لدى كل شخص وتمثل المرجعية الوحيدة أو الأساسية لديه)، بينما عارضت المصالحة منذ يومها الأول لأنها صراحة كانت ضحكا على الذقون وكان هدفها تنفيس الاحتقان العربي ضد الأنظمة المتواطئة مع العدوان الإسرائيلي بما يفسح لها المجال في التمادي في تسهيل العدوان وحصار غزة وتحقيق الهزيمة السياسية بحركة حماس بعدما تعذّر تحقيق ذلك عسكريا. أصبح من يعارض المصالحة بالشخص الذي يعارض المصلحة العربية ولا يحسن قراءة الأمور .. إلخ ولكن أيام مضت وشهور مضت وتتأكد وجهة النظر التي دافعنا عنها منذ البداية، ويتضح أن المصالحة ما كانت إلا كما قلنا بل وبسبب المصالحة العربية عانى الغزيون أكثر وأكثر وفوتت المصالحة العربية فرصا لتغيير وضع قائم ربما لن تتوفر إلى الأبد!

المثال الثاني مختلف قليلا وهو الانتخابات الإيرانية الأخيرة حيث اصطف المؤيدون لمحور الممانعة خلف الرئيس أحمدي نجاد بينما ارتأيت أن فوز مير حسين موسوي هو من ناحية المبدأ أفضل ويقارب الصواب أكثر. للأسف أيضا، تُنسى مواقفُك ويُنسى تاريخُك في لحظات وتُصبح جزءا من محور الاعتدال لمجرد تأييدك للمرشح المنافس لمرشح محور الممانعة رغم ما ذكرنا من ملاحظات على أحمدي نجاد (منها ما يتعلق بالشأن العربي ومنها ما يتعلق بالقضية الفلسطينية ومنها ما يخص الإيرانيين أنفسهم ولا مجال هنا للإسهاب في الموضوع). ولا زلنا نعتبر أن مير موسوي هو الخيار الأفضل لإيران وللعرب، ولا شك أن فوز أحمدي نجاد (وبهذا الأسلوب بالذات) هو ضربة لفريق الحياد الإيجابي برأيي.

* ملاحظة: لا بد من الإشارة هنا أن تصوير الفريقين وكأنهما فريق مدافع عن السنة وفريق يحاول الانقضاض على السنة هو تصوير خرافي خاطئ خبيث يخلط الغث بالسمين ويجمّل صورة هي شديدة القبح. إن الفريق الذي يزعم أنه يدافع عن أهل السنة وقف بشدة ضد حركة حماس في العدوان الأخير على غزة وهذا ما فضح ادعاءهم بأنهم يدافعون عن السنة، ومعلوم أن حركة حماس هي حركة سنية صرفة بل وتتبع أحد المدارس المعروفة في المذهب السني. وتبين أن هذا الفريق لم يأتِ بفكرة الدفاع عن السنة إلا ليتستر وراء سيره بالمشروع الصهيو-أميركي في المنطقة. وبالمناسبة، هذا لا يعني أبدا أن الإخوة الشيعة هم على خطأ أو أي شيء من هذا، ولكني أجادل أتباع هذا الفريق بنفس منطقهم عسى أن يعيَ العربي ما يحاك ضده وضد أرضه من مؤامرات هنا وهناك يبدو إنها انطلت على الأخوة في لبنان رغم وضوح زيفها وضوح الشمس. وآسف فعلا أننا أصبحنا في زمان نضطر فيه (ونحن أكثر الكارهين) للحديث عن سني وشيعي فأعتذر للقراء الكرام.

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: