Skip to content

ما هكذا تورد يا أبا حسين الإبل!!

6 يونيو 2009

من أبو حسين هذا الذي قصدته في العنوان؟ أبو حسين في مقالتي هذه هو أحد شخصين: هو الرئيس الأميركي باراك حسين أوباما كما يحلو لبعض العرب أن يسميه .. وهو المواطن العربي العادي الذي سأوجه له كلمات في آخر مقالة. إذاً أوجه هنا رسالة مزدوجة عقب خطاب أوباما للعالم الإسلامي الذي ألقاه من القاهرة (أيضا بالقرب من منطقة الحسين ربما؟)، رسالة له شخصيا لا يهمني إن وصلته أو لا بقدر ما يهمني أن يعيَ العرب ما أريد قوله، ورسالة إلى العربي نفسه الذي جعل أوباما سادس الخلفاء الراشدين أو الإمام الثالث عشر!! وقد أحدث خطاب أوباما ضجة أعتقد أنه يستحقها ومن هذا المنطلق دعونا نستعرض قليلا هذا الخطاب ونناقش ما فيه وما له وما عليه وما لنا وما علينا. 

لقد كان الإعلان عن توجيه أوباما خطابا للعالم الإسلامي ومن القاهرة بالذات (وأنا ربما من الذين يعتقدون بأن اختيار القاهرة كان خيارا موفقا نسبيا .. ولكن هذا خارج النقاش الآن) وقعا مهما وأحدث صدى في العالمين العربي والإسلامي خاصة وبمختلف أنحاء العالم عموما لأن خطابا كهذا سيعلن عن بدء مفصل جديد ومرحلة مختلفة من مراحل العلاقات التي ربطت الولايات المتحدة بالعالم الإسلامي بل وبطريقة سير الأمور في العالم. فسياسة بوش بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر اتّسمت بقانون الـ”إما معي أو ضدي” وتقسيم العالم إلى محاور خير ومحاور شر. وبالتالي فقد نظر العالم لخطاب أوباما على أنه سيكون تأسيسا لمرحلة جديدة. وأعتقد، بعد سماع الخطاب كاملا وباللغة الإنجليزية لكي نبني رأينا بشكل دقيق، أن من كانت له هذه النظرة في خطاب أوباما كان محقا، وإن كان بشكل جزئي. 

لا شك أن مرحلة أوباما هي مرحلة مختلفة عن مرحلة سلفه بوش لأسباب عدة لا مجال للخوض فيها هنا. وأوباما منذ استلامه لمنصبه وهو يصدر القرارات ويوجّه السياسات لتعديل دفة السفينة الأميركية التي أُخذت لمكان ما بعيد عن مصالح أميركا نفسها. مخطئ من يظن أن أوباما يريد أن يفعل كل ذلك أو يفعل كل ذلك من أجل سواد عيون العرب والمسلمين. ومخطئ من يظن أن أوباما يريد تحويل أميركا إلى جمعية خيرية تكفّر عن خطايا الماضي وتساعد المحتاج وتقدم قرابين المغفرة. إنْ فَعَلَ أوباما أي شيء من ما وعد به مناصريه أو ما قاله في خطابه “الإنشائي” في القاهرة فإنما يفعله لمصلحة بلده أميركا وأميركا فقط. يكفينا اعتقادا أن رئيس أميركا سوف يتصرف بناء على مصالحنا، لا يخدم مصالحك إلا أنت نفسك ولا أحد يعيرك اهتماما إن لم تحترم نفسك .. هكذا تدار السياسة. 

نعود للخطاب، فإنه للحكم عليه لا بد من التمييز بين نقطتين هامتين في أي خطاب: هناك شكل الخطاب وهناك مضمون الخطاب. أما شكل خطاب أوباما من إلقاء ولغة وألفاظ وتصرفات أثناء الخطاب فكله لا يُعلى عليه بكل صدق وصراحة ودون أدنى مجاملة. أوباما معروف عنه إبداعه في إلقاء الكلمات وفي هذا الخطاب بالذات أبدع وأبدع … وأبدع! لا يستطيع المرء إلا أن يقف مبهورا أمام هذه الملكات والثقافة والفصاحة والذكاء وطريقة العرض لدرجة تشعر فيها فعلا أن الشخص الذي أمامك يستحق أن يكون رئيسا. الرئيس في الولايات المتحدة لا يصبح رئيسا إلا بعد أن “يُتعَب عليه” وأوباما “الإفريقي ذو الأب المسلم” لم يصبح رئيسا إلا لأنه استحق أن يكون رئيسا ولم تساهم جينات عائلته في اعتلائه لهذا المنصب ولا نجوم على كتفيه ولا غير ذلك مما قد تراه في … أنحاء أخرى من العالم. أوباما رجل يحمل دكتوراه في الحقوق ودرس ودرّس في جامعة هارفارد وله من الخبرات والتراكمات ما أهلته لأن يعتلي المنصب الذي يعتليه .. ناهيك عن نشاطاته العديدة وكتابيه اللذين ألفهما (نعم، عادةً الرؤساء في الغرب يؤلفون كتبا). بالمناسبة، لاحظتم أن أوباما ألقى الخطاب مرتجلا؟؟ ولاحظتم أنه ألقاه بالإنجليزية الفصيحة (ليس بالعامية الأميركية .. ومن عاش في أميركا يعرف كيف يميز بين الأسلوبين)؟ أي أنكم لاحظتم أنه لم يلقِ الخطاب من ورقة (ناهيك عن تلعثمه وهو يقرأه من الورقة)؟!! 

إذاً، شكلا أعتقد أن أوباما حاز على العلامة الكاملة. ولكن ماذا عن مضمون الخطاب؟ صدق كثيرون في وصف الخطاب بأنه إنشائي، حتى أن أحد المواقع كتبت متندرة: أوباما في ألمانيا لرحلة “عمل” بعد أن كان في القاهرة لرحلة “كلام”!! وأنا أتفق بشكل كبير مع هذا. أراد أوباما أن يعيد بناء الثقة المفقودة بين الطرفين، الولايات المتحدة والعالم والإسلامي، فتكلم كثيرا وأطرى كثيرا. كذلك فإن أوباما فطن لحقيقة أن من يخاطبهم هم شعب عاطفي تحركه الكلمات وتلعب به المشاعر، فأكثر من الكلام والمديح والسرد التاريخي وتعظيم تاريخ المسلمين والاستشهاد بالقرآن (ومع كل استشهاد كان يصفق الجمهور!!). (ذكرت صحيفة نيويورك تايمز طبعة نيو إنجلند مازحة أن خطاب أوباما كان كإحدى خُطَب الجمعة التي يسمعها المسلمون!) وأعتقد أن أوباما نجح في التعمية على بعض السم الذي دسه في كلامه بسبب المقدمة العاطفية الطويلة التي قدمها. دعوني أذكُر سريعا محاور خطاب أوباما هنا، فالسدس الأول جعله كاملا لمديح التاريخ والحضارة الإسلامية والتأكيد على أن أميركا ليست في حالة عداء مع الإسلام ولكنه كان صريحا وواضحا في القول بأن أميركا لن تتهاون مع المتطرفين الإسلاميين. 

أما المحاور الأخرى، فتكلم عن حربي أفغانستان والعراق ذاكرا بأن الحرب الأولى أُجْبِرت عليها أميركا بسبب أحداث الحادي عشر من سبتمبر ومؤكدا بأنه مع ذلك فإن القوة لا يجب أن تكون الحل الوحيد للمعضلة هناك، بينما ذكر أن الحرب الثانية كانت “خيارا” وليس “اضطرارا” وبالتالي فإن أميركا كان عليها استخدام الوسائل الدبلوماسية لمعالجة الموضوع. وفي معرض حديثه هنا وعد بإغلاق سجن غوانتانامو في بدايات العام القادم كما أصدر أمرا بمنع عمليات التعذيب في السجون. 

إلى هنا الكلام جميل .. ولكنه انتقل بعدها للحديث عن القضية الفلسطينية، وبدأ الحديث بإعطاء سرد تاريخي لمعاناة اليهود وذكر المحرقة وكيف أن اليهود عانوا في أوروبا وأن ستة ملايين يهودي قتلوا هناك (وأكد أن هذه حقيقة لا يكذبها إلا كاره حاقد) ولمّح إلى أحقية اليهود التاريخية بأرض فلسطين ثم أكد على حق اليهود في أن يكون لهم “دولة يهودية” .. كل هذه الموسيقى التصويرية التي قام بها والتراجيديا التي عرضها لم تسترعِ الاهتمام المناسب من وسائل الإعلام العربية. لا أدري أي امتداح يمكن إعطاؤه وأي تفاؤل يمكن حملانه بعد خطاب تضمن كل هذا الكلام في فقرة فلسطين؟!! بل إن أوباما لم يعطِ الفلسطينيين أي جديد: أكد رفضه “للتوسع في الاستيطان” (وماذا عن المستوطنات الموجودة فعلا؟! وماذا عن أوسلو التي فعلا منعت الاستيطان؟؟ هل من مكترث؟!!) وأكد إصراره على حل الدولتين بحيث يكون لفلسطين دولة مستقلة على الضفة وغزة (لم يحدد لنا أي مساحة من الضفة يقصد) وتعاطف مع المعاناة “الإنسانية” في غزة (ولم يحدد سبب المعاناة ولم يأتِ بذكر حرب غزة لا من قريب ولا من بعيد) بينما تذكّر أوباما صواريخ حماس بل وقال أن مقاومة الاحتلال بالعنف غير مقبولة إطلاقا (ولا أدري كيف قاوم الأميركيون أنفسهم الاحتلال البريطاني؟؟ بالورود؟؟!!). وأكثر من ذلك قال بكل وقاحة أن صواريخ حماس تذكر اليهود بمعاناتهم التاريخية وذكرياتهم الأليمة .. يعني السيد أوباما قلق على معنويات اليهود وخائف من جرح مشاعرهم بينما لم يكترث لأكثر من 1400 فلسطيني قتلوا في ظرف ثلاث أسابيع على يد اليهود أنفسهم “المجروحة مشاعرهم”!! أي إزدواجية وأي تحيز هذا؟؟ كيف يمكن قبول هذا الكلام وكيف يمكن التمجيد والتهليل والترحيب بشخص يتشدق بقلب قاهرة عمرو بن العاص بكل هذا الكلام غير المنصف. وليختم سمه الذي يتفوه به قال أوباما إن العرب قدموا مبادرتهم مشكورين ولكن عليهم ألا يظنوا أن مسؤوليتهم انتهت وعليهم بعمل المزيد. ولا أدري أي مزيد يطلبه منا؟!! 

للأسف الشديد أننا شعوب لا تحترم نفسها ومن لا يحترم نفسه لا ينبغي أن يتوقع الآخر أن يحترمه. تغاضى معظم العرب عن كل هذا الكلام بل واعتبروا ما قاله أوباما هو تطور في الموقف الأميركي (ولا أدري .. هل إن كان الأميركيون يقتلون عشرة عراقيين وأصبحوا الآن يقتلون خمسة فقط، هل هذا يجعلنا نمدح “التطور” في الموقف الأميركي؟؟!! أم أن الغبن واقع في الحالتين؟!) لقد قالها أوباما بالحرف الواحد، من جامعة القاهرة، لكل المسلمين: “إن ما يربط أميركا وإسرائيل رابطة قوية لا يمكن كسرها” فإسرائيل هي الثابت الوحيدة ولتذهب زهاء ستين دولة إسلامية إلى الجحيم!! وبالمناسبة، فإن الصحف الأميركية وساسة أميركيين كانوا مستائين من فقرة أوباما المتعلقة بفلسطين لأنها “قدمت الكثير من التعاطف مع الفلسطينيين” فأنظر كيف يدافع الناس عن ما يظنونه حقوقهم بينما نفرط نحن في حقوقنا!! هذا ما قاله أوباما عن فلسطين، وعندما تحدث عن القدس فإنه تحدث عنها كمدينة لجميع الأديان الإبراهيمية (دون أي ذكر عن حق الفلسطينيين فيها) ولم ينسَ بالطبع أننا شعب عاطفي فذكر حادثة الإسراء كدليل على كلامه!! 

في باقي المحاور تحدث أوباما عن الموضوع النووي، وعلى الرغم أنه ذكر إيران ومشروعها النووي وأسهب في ذلك، وذكر أيضا سعي بلاده لتجريد العالم من أي برنامج نووي عسكري، فإنه لم يستطع أبدا تذكر البرنامج النووي العسكري الإسرائيلي الذي يهدد المنطقة برمتها .. فأوباما يخشى من سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط إن أصبحت إيران قوة نووية دون أن تسعفه ذاكرته في استحضار 200 رأس نووي على الأقل في جعبة إسرائيل تنسف المنطقة بأسرها! 

وبعد ذلك تحدث أوباما عن أربعة محاور أكاد أتفق تماما مع ما قاله فيها؛ تحدث عن الديمقراطية وأن الحرية هي حق إنساني ولكل شعب الحرية في تطبيق الديمقراطية بالطريقة التي تلائمه. تحدث عن الحرية الدينية وكيف أن الأقليات الدينية لها الحق بممارسة معتقداتها بحرية. تحدث عن حقوق المرأة وكيف أن أميركا ضد من ينظر للمرأة المسلمة المحجبة على أنها “مقيّدة” ما دامت قد اختارت بنفسها لبس هذا الحجاب. وتحدث عن التنمية الاقتصادية وسعي أميركا لبناء فرص جديدة مع العالم الإسلامي وحث العالم الإسلامي على الاستثمار في العقول بدل الارتكان إلى ثروات الأرض فقط. لكي لا أطيل أكثر من ذلك سأكتفي بما عرضته هنا وما حاولت أن أناقشه وأشدد على عدم تجاهل الكلام الخطير الذي ذكره أوباما فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية. 

والآن أتوجه إلى أبي حسين العربي، المواطن العربي البسيط، الذي مجّد وهلّل وكبّر بعد سماعه لخطاب أوباما وكأن أوباما فاتح من فتّاح العرب أو أنه المصلح الجديد الذي سيأخذ بالأمة إلى مجدها التليد وأحلامها المأمولة. يا أبا حسين، أما آن الأوان أن نفكر بعقولنا لا بقلوبنا؟ يا أبا حسين، أما آن الأوان أن نجعل أهدافنا ظاهرة واضحة جلية أمامنا دون أن ننخدع بكلام معسول أو سم مزين بالورود؟ أبا حسين، يحق للأميركان أن يفخروا برئيسهم ولكن لماذا نفخر نحن به بدلا من أن نفخر بحكامنا؟ ألم تسمع قوله تعالى “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”؟؟ وإن كنت ممن لا يحب أن يسمع إلا ما يقوله أوباما فألم تسمعه يقول “يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم”؟؟ يا عمي أبي حسين، المسلم أبو باراك سافر لأميركا فأنجب ابنه هناك وتعلم ابنه في أعظم جامعاتها وتدرج حتى أصبح رئيس أعظم دولة يقول بفخر “نحن الأميركيين” .. فهل لا زلت تتحدث عن مسلم ومسيحي، وسني وشيعي، وعربي وكردي وأمازيغي، وسوري ولبناني، ومصري وسوداني، وعراقي وكويتي، وجزائري ومغربي .. و .. و .. و ..؟؟ عمي أبي حسين، إن لم ينبع التغيير من ذاتنا، وإن لم نمتلك الجرأة والشجاعة لكي نصلح أخطاءنا، فسنبقى أبد الدهر في سردابنا .. يحق لأميركا أن تهنأ وتفخر بابنها أوباما .. ويجب علينا أن نندب حظنا على ما جنته أيدينا.

From → عروبيات

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: