Skip to content

واحد وستون عاما مضت، وماذا عن النضال الشعبي؟ (2 من 2)

9 مايو 2009

قد كنت تحدثت في مقال في العدد السابق عن تقسيم النضال الشعبي من أجل القضية الفلسطينية إلى أربعة محاور، وتحدثت في ذاك المقال عن المحورين الأولين وهما النضال على المحور الفلسطيني والنضال على المحور العربي الداخلي. وفي هذا المقال سأتحدث عن النضال على المحورين الآخرين وهما النضال على المحور العربي الخارجي والنضال على المحور الإسلامي.

 ثالثا: النضال على المحور العربي الخارجي

 هذا المحور يضم شقين: الشق الإسلامي والشق العالمي. فأما النضال العربي على الشق الإسلامي فاتّسم إلى حد ما بالخجل والتقصير وأعزو ذلك إلى ثلاث نقاط أساسية، الأولى تتعلق بافتراض تعاطف الشعوب الإسلامية مع قضية فلسطين وبالتالي لم يبذل العرب الجهد الكافي للتعريف بالقضية الفلسطينية وأهميتها لدى هذه الشعوب خاصة وأن معظم حكومات الدول الإسلامية اتخذت موقفا متعاطفا مع فلسطين (مثل باكستان وأندونيسيا ونيجيريا وغيرها من الدول) وهذا ما جعل العرب يغيبون عن الجماهير الإسلامية. ولا شك أن هذا الافتراض افتراض خاطئ، فالعرب هم أهل القضية وهم مطالبون بالتعريف بها، وكانت نتيجة هذا التقصير هو انفتاح الشعوب الإسلامية على الكيان الصهيوني بمجرد انفتاح حكوماتهم عليه.

 النقطة الثانية تتعلق بالعداوات أو موازين القوى التي كانت تحكم العلاقات العربية-الإسلامية وأخص هنا أقرب دولتين إسلاميتين للعرب: إيران وتركيا. أما إيران فعلى الرغم من الصداقة التي كانت تجمع بينها وبين معظم الدول العربية أيام الشاه، وعلى الرغم من موقف الشاه الموالي للكيان الصهيوني، إلا أن العرب لم يبذلوا الجهد الكافي للتعريف بالقضية الفلسطينية والعمل على إيجاد أرضية شعبية متعاطفة لها لدى الإيرانيين. بل إن الموقف العربي للأسف كان مشجعا لإيران بالتمادي في مساندتها للكيان الصهيوني. وبعد الثورة الإسلامية عام 1979 وما رافق ذلك من انقلاب في الموقف الإيراني كان دافعه ظاهرا الإسلام والمبادئ ولا شك أن المصالح هي أساسه، فنجد أن معظم الدول العربية ناصبت إيران العداء وقطعت حبل التواصل بينها وبين الشعب الإيراني. بل مؤخرا أصبح هناك بعض العرب الذين يساوون بين إيران وإسرائيل في المنطقة ولا شك أن هذا له التأثير السلبي الكبير على الشعوب.

 وأما تركيا، فلقد اختارت هذه الدولة الإسلامية ووريثة الدولة العثمانية الاصطفاف إلى جانب الكيان الصهيوني منذ نشوئه، ولا أدري لماذا أنشأ هذا الشيء عازلا بين الشعوب العربية والأتراك منعنا من أن نكون سفراء للقضية الفلسطينية لدى الشعب التركي. ولا شك أن تأزم العلاقات بين تركيا وبعض الدول العربية في فترات عدة كان له أثر سلبي كبير على العلاقات بين العرب والأتراك، ومع ذلك جميعنا رأى كيف أن المواقف التركية الأخيرة ظهرت بشكل مشرف جدا رغم أني لا أعتقد أن العرب ساهموا بذلك على الإطلاق، بل كان الموقف التركي الشعبي والرسمي موقفا إنسانيا بحتا دعّمته أواصر الأخوة الإسلامية والمصالح التركية في المنطقة.

 النقطة الثالثة، ويُلام عليها بعض العرب دون غيرهم، هي الحملات التي قادتها بعض الدول العربية للتعريف بالإسلام ونصرته في الأماكن التي يُضطهد فيها المسلمون (أفغانستان، الشيشان، البوسنة ..) وهذه الحملات، على الرغم من أنه ربما يوجد ما يبررها، إلا أنها اتسمت “باللاعروبية” إلى أبعد الحدود ولم تساهم على الإطلاق بالترويج لقضية فلسطين. وبدلا من أن ينصبَّ الجهد العربي في التعريف بأهمية هذه القضية لكل المسلمين، فضّل العرب أن يشتتوا جهودهم ويتجاهلوا هذه القضية وكأنها لا تعنيهم بشيء .. وللأسف الشديد، وأقول هذا عن خبرة شخصية، يوجد من العرب من تعني لهم قضية الشيشان أكثر بكثير مما تعني لهم قضية فلسطين، إن كانوا يعتبرونها قضية تخصنا أصلا.

 هذا في الشق الإسلامي، أما في الشق العالمي فالأمور كانت نسبيا أفضل حالا على الرغم من الحضور الخجول. والسبب في ذلك هو عكس الأسباب التي أدت إلى الغياب على الجبهة الإسلامية. فالغرب مثلا بسبب إعلامهم وبسبب احتكاكهم مع اليهود يتعاطفون مع الكيان الصهيوني، وهذا ما جعل العرب أكثر حراكا في الدول الغربية مثل أميركا وبريطانيا وفرنسا وغيرها. والحقيقة، فإن الجهود العربية القليلة والمتواضعة أتت بنتيجة إيجابية جدا في هذا الحقل (فما بالك لو بذل العرب جهدا أكبر؟!). وحرب غزة الأخيرة عكست صورة مشرقة لهذه الجهود تمثلت بمواقف الشعوب العالمية المؤيدة للقضية الفلسطينية مثل المظاهرات البريطانية القوية المناصرة، وكذلك التحركات على الشارع الفرنسي والإسباني والإيطالي والألماني وبدرجة أقل دول أوروبا الأخرى “والخير لقدام”. أما في أميركا، فإن الجهود المبذولة لا تقل مقدارا عما يبذل في أوروبا ولكن بسبب الحضور اليهودي الكثيف وكسل وسذاجة الشعب الأميركي فإن نتائج هذه الجهود لم تكن بنفس مقدار النتائج على الجهة الأوروبية. والحق يقال، فإن المواطن الأميركي العادي يتعاطف بشدة مع المظلوم إن أتيحت له فرصة رؤية الصورة كاملة. ولكي أعطي مثالا، في مثل هذا الوقت من العام الماضي قام اتحادا الطلبة الإسلامي والعربي بقيادة حملة مضادة للاحتفال “باستقلال إسرائيل” كما يطلقون على مناسبة النكبة. واشتركنا جميعا في توزيع نشرات تعريفية بالقضية الفلسطينية والتحدث مع المارة وكذلك قمنا بعمل مظاهرة “حدادية” .. صراحة كان الأميركيون يتعاطفون معنا بشدة وبعضهم شاركنا نشاطاتنا على الرغم من الحضور الصهيوني على الطرف الآخر. وهذا إن دل فإنما يدل على استعداد المواطن الأميركي لأن يقف مع القضية العربية إن توفرت له فرصة مشاهدة الصورة كاملة وتم عرض وجهة النظر العربية أمامه، وما التحيز الأميركي للصهاينة إلا نتيجة طبيعية للتقصير العربي في مجال التعريف عن القضية الفلسطينية والدفاع عن حقوقنا العادلة في مقابل حضور كامل وقوي للصهاينة.

 رابعا: النضال على المحور الإسلامي

 هذا المحور له أهمية خاصة حيث أنه يعطي للقضية الفلسطينية بعدا إسلاميا وإنسانيا يكون داعما للنضال العربي ومثبّتا له في حال اهتزازه (كما يحصل الآن). ومواقف الشعوب الإسلامية كانت مؤيدة ومتعاطفة مع القضية الفلسطينية منذ بداياتها، وخفّ هذا التعاطف تدريجيا بسبب التقصير العربي في التعريف بالقضية من جهة، وانفتاح الكثير من الحكومات الإسلامية على الكيان الصهيوني من جهة أخرى (وكان هذا نتيجة طبيعية لاتفاقية كامب ديفيد .. وهل مطلوب من الدول الإسلامية أن تكون ملكية أكثر من الملكيين؟!). ومع ذلك فإننا نرى خيرا كثيرا ولا شك في أن حرب غزة وما رافقها من مظاهرات في أرجاء العالم كافة وبخاصة في أندونيسيا وباكستان وتركيا وإيران توضّح مدى التعاطف الشعبي لهذه الدول مع القضية الفلسطينية. والجميل بهذه الشعوب (أو معظمها على الأقل) أنها تتناقل القضية الفلسطينية عبر الأجيال تماما كما يتناقلها العرب، فالقضية قضيتهم أيضا، وهذا ما يجعل التطبيع مع الكيان الصهيوني أمر صعب مثلا مع باكستان أو ماليزيا أو أفغانستان وغيرها من الدول الإسلامية التي تقف شعوبها موقفا مشرّفا مع قضية فلسطين.

 وفي نهاية نقاش هذه المحاور الأربعة، ما نتمناه هو استمرار النضال الشعبي العربي والمحافظة على أهمية هذه القضية لنا، وليرافق ذلك حراكا على الساحتين الإسلامية والعالمية لكسب التأييد وتعزيز موقف القضية، ومعروف أن الموقف الشعبي في كثير من دول الغرب (والشرق أيضا) يشكل موقفا ضاغطا على الحكومة ويساهم بتعديل السياسات.

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: