Skip to content

في دمشقنا فرعية .. وفي لبنان انتخابات

9 مايو 2009

إن تاريخ القطرين الشقيقين لبنان وسورية هو تاريخ مشترك ومتشابك لدرجة كبيرة يصعب فيها أن تتناول تاريخ إحديهما دون التحدث عن تاريخ الأخرى (خاصة إذا كان الحديث عن لبنان حيث أن تأثير الشقيق الأكبر والامتداد الجغرافي الطبيعي لسورية أكبر وأشد وقعا). وما يقال عن التاريخ ينسحب على باقي مجالات الحياة من سياسة واقتصاد وثقافة وأدب وفن. أقول هذا لأنني في صدد التحدث عن الانتخابات الفرعية في دمشق والتي ستجري في 11 أيار/مايو بعد تعيين النائب هدى الحمصي سفيرة لسورية في اليونان وبالتالي شُغر مقعدها في مجلس النواب ولزم إجراء انتخابات فرعية لملء مقعدها الشاغر.

 إن تاريخ الديمقراطية في القطرين قديم جدا، وطبعا أنا أتحدث عن الديمقراطية في العصر الحديث لأن منشأ الديمقراطية في العالم هو سورية وتحديدا جزيرة أرواد حيث تم ممارسة الديمقراطية لأول مرة في العالم في هذه الجزيرة من قبل الفينيقيين قبل حوالي أربع آلاف سنة ميلادية عندما كانت أرواد كيانا مستقلا ضمن إمبراطورية الإغريق. أما الديمقراطية في العصر الحديث فإنها ترجع إلى الثلاثينات من القرن الماضي وربما قبل ذلك. وعلى الرغم من ذلك، فإن سورية ولبنان (واللتان كانتا كيانا واحدا خاضعا للاستعمار الفرنسي) قد سبقتا نظيراتهما في المنطقة في التعبير عن إرادة الشعب بحرية وبطريقة متمدنة. واستمر هذا الأمر بعد حصول الدولتين على الاستقلال، فنرى سورية تنتخب شكري القوتلي رئيسا وثم تتنافس الأحزاب السورية المختلفة بالانتخابات البرلمانية لتحصل الكتلة الوطنية على الأغلبية فتشكل السلطة، بينما ترتضي الأحزاب الخاسرة أن تكون في المعارضة. وفي لبنان يُنتخب بشارة الخوري رئيسا وتجري أيضا انتخابات وتسفر عن تشكيل رياض الصلح للحكومة اللبنانية.

 هذا الرقي والتحضر في الحياة السياسية السورية لم يعجب قوى الاستعمار التي أرادت العبث باستقرار سورية وإيقاف مسيرة التقدم فيها بسبب ما رأوا منها ومن شعبها من خطر على الكيان الصهيوني الوليد وبسبب النزعة العروبية الوحدوية الفطرية لدى السوريين، فدفع الاستعمار باتجاه أول انقلاب ناجح في الشرق الأوسط حيث استطاع الزعيم حسني الزعيم رئيس الأركان السوري أن يقود انقلابا ناجحا في آذار 1949 أسقط فيه حكم القوتلي وأجبره على الاستقالة ثم نصّب نفسه رئيسا باستفتاء صُوَرِيّ حاز فيه على نسبة المئة بالمئة المعتادة في الانتخابات العربية. كانت هذه أول انتكاسة للديمقراطية السورية والتي للأسف فتحت المجال للانتكاسات اللاحقة بعدها. لسبب ما لم يجرِ في لبنان ما جرى في سورية، ربما لأن أهمية سورية الاستراتيجية أكبر من لبنان وبالتالي السيطرة عليها كان له أولوية أكبر، وربما لأن التركيبة الديمغرافية في لبنان تمنع حدوث مثل هكذا انقلابات وتتيح في المقابل وسائل أخرى يمكن استخدامها للسيطرة على الحكم.

 بعد انقلاب الزعيم جرت أكثر من تسعة انقلابات في سورية خلال أقل من عشرين عاما (حتى أن أسرة مسرحية ضيعة تشرين تتندر من هذا حيث يذهب عمر حجو “ليُبَرْوِزْ” صورة للزعيم الجديد وعندما يعود بالصورة الجديدة يكون قد حدث انقلاب آخر وأتى زعيم آخر فيقول له أسامة الروماني متهكما “الله يصلحك، كنت قول للنجار يخف إيدو شوي!!”) وهذه الانقلابات الكثيرة قوّضت الديمقراطية في سورية بشكل كبير ليتم تغييبها تماما بعد الوحدة مع مصر وحل الأحزاب ثم لتعود بشكل مشوّه جدا بعد الانفصال إلى وقتنا هذا.

 لقد قمت بالسرد التاريخي هذا وعقد المقارنة السريعة مع لبنان (والذي سيشهد بعد أقل من شهر انتخابات برلمانية جديدة نتمنى فيها للقوى الوطنية المعارضة للصهيونية التوفيق) وذلك لأصوّر للقراء مدى تقصير سورية بحق نفسها وتاريخها. لدينا انتخابات فرعية في 11 أيار ولكن من يأبه؟ في لبنان الشعب مستنفر منذ أكثر من أربعة شهور وربما يزيد، ولكن في سورية المعركة محسومة وغالبية الشعب السوري لا يدري أصلا أن هناك انتخابات فرعية تلوح بالأفق. في لبنان جرت انتخابات فرعية في دائرة المتن الشمالي قبل سنتين وكانت حديث الصحافة والإعلام واللبنانيين والمهتمين بالشأن اللبناني، والآن انتخابات فرعية في دمشق عاصمة العروبة ولا أحد يكترث. بل وللأسف فإن نتيجة الانتخابات محسومة سلفا وإن كان هناك وفرة من المرشحين. (علمنا من قراءتنا لوسائل الإعلام أن الأمور تتجه لفوز الرفيقة ماجدة قطيط لتصبح الانتخابات أشبه بقرار تعيين!!) وليس لدينا أي شيء بالتحديد ضد المرشحة أو الانتماء السياسي لها، ولكن حديثنا هنا عن المبدأ، وحديثنا عن سبب كون فرعية دمشق بهذه الهامشية مقارنة بالانتخابات الفرعية في دول شقيقة تشاطرنا التاريخ نفسه. حديثنا هنا غيرة على بلدنا سورية الذي كان السباق في مجال الحريات والديمقراطية ونراه اليوم يتخلّف لا نقول عن الركب العالمي، بل عن الركب العربي.

 لا بأس .. هذا المقعد لن يقدم ولن يؤخر .. والجماهير السورية ليست مستعدة أصلا للتجربة الديمقراطية التي تحتاج إلى تجهيز وتأهيل الشعب حتى يكون واعيا قادرا على التعامل معها بأسلوب راقٍ متحضر فتحقق التجربة أهدافها وتحصد سورية ثمارها. ولكننا نطمح ونحلم، والحلم ليس حراما، أن نرى انتخابات برلمانية سورية في عام 2011 على غرار تلك التي نتابعها في لبنان .. ولكي نستطيع أن نرى مثل تلك الانتخابات علينا حتما أن نبدأ العمل والتحضير لها من الآن .. وسورية قادرة على فعل ذلك فلا يصعب عليها شيء .. ولكن مطلوب العزيمة والإرادة والقليل من التواضع والحكمة وتفضيل مصلحة الوطن على المصالح الفردية .. وقبل ذلك مراجعة الذات فهل من أذن تسمع؟!

From → سوريات

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: