Skip to content

واحد وستين عاما مضت، وماذا عن النضال الشعبي؟ (1 من 2)

25 أبريل 2009

تمرّ في أيامنا هذه الذكرى الحادية والستين لاغتصاب أرض فلسطين وإنشاء الكيان الصهيوني على ترابها العربي .. ولا شك أن هذه المناسبة تثير سنويا قرائح العرب وعقول المفكرين لمناقشة مسبباتها وأبعادها وتداعياتها وسبل الإنقاذ والإصلاح والتعديل إن بقي ما يمكن فعله. وتناغما مع التيار اخترت أن أكتب في هذا المجال مناقشا ومحللا لمسيرة النضال الشعبي من أجل قضية فلسطين. وعندما أقول النضال الشعبي فأنا أعني بالضرورة نضال الجماهير بشكل سلمي أو غير سلمي لتحقيق شيء ما إيجابي في سبيل قضية فلسطين بمختلف مفاهيم القضية وما تعني لكل فئة من الجماهير، بعيدا عن خيارات الأنظمة السياسية والحكومات على الرغم من أن المسارين يصعب فصلهما أحيانا.

 يمكننا تقسيم النضال الشعبي إلى أربعة محاور: النضال على المحور الفلسطيني، النضال على المحور العربي الداخلي، النضال على المحور العربي الخارجي بشقيه الإسلامي والعالمي، والنضال على المحور الإسلامي. سوف أتجاهل محورا خامسا يمكن إضافته وهو النضال على المحور العالمي وذلك لأننا ربما غير معنيين، على الأقل في هذه المقالة، بتفاصيله وأيضا لأنه محدود وغير ذات تأثير كبير. سأقسم النقاش على مقالتين فأتناول محورين في كل مقالة.

 أولا: النضال على المحور الفلسطيني

إن المتتبع لنضال الفلسطينيين بعد حدوث النكبة ليلاحظ الخط التصاعدي التدريجي لهذا النضال (بعكس النضال الشعبي على المحاور الأخرى الذي أخذ منحنى تنازليا في معظم الأحيان) فبعد أن كان الفلسطينيون تحت الصدمة في عام 1948 وثم تم تشتيتهم وبعثرتهم في أرجاء العالم أو حصرهم في مخيمات للاجئين ليكونوا ربما العامل الأضعف في القضية الفلسطينية، استطاعوا أن ينظموا شؤونهم لتخرج محاولات فدائية فردية في البداية ثم تتنظم بظهور فصائل المقاومة المختلفة في الستينات ليتصاعد هذا العمل العسكري في السبعينات ويرافقه تطور العمل التنظيمي على الأصعدة الإعلامية والإجتماعية وصولا إلى أن يصبح الفلسطينيون هم أصحاب المبادرة وتقرير وجهة النضال خاصة بعد كامب ديفيد وثم الإنتفاضة الأولى. ولا شك في أن تحول الفلسطينيون لأن يصبحوا هم الذين يقررون وجهة النضال كان له إيجابياته وسلبياته، والأخيرة تمثّلت في جنوح البعض للانفراد بالقرار الفلسطيني بمعزل عن العرب وظهور من يقول بأن فلسطين للفلسطينيين ومن يحاول أن يظهر الموضوع وكأنه محصور في إطاره القطري الضيق، وأدى هذا بالنتيجة إلى اصطفاف الشعب حسب القيادات وانتماءاتها ومواقفها منتجا فريق أوسلو والفريق المضاد لأوسلو في التسعينات ليشكل هذا بدوره إرهاصات لمشاكل أدت إلى حدوث تصادم بين الفلسطينيين أنفسهم على أرض فلسطين نفسها من أجل خيارات سياسية قيادية انجرّ الشعب ووقع في أفخاخها لتحدث الفتنة. وبالتالي فإن الانفراد بالقرار الفلسطيني بمعزل عن العرب وثم الالتهاء بالمكاسب الحزبية ووجود الفئات الشعبية الفلسطينية التي أيّدت هذه الخيارات أدى إلى انحسار النضال الفلسطيني في السنوات الأخيرة وتحوله إلى صراع داخلي استغله العدو في الانتقام من عناصر المقاومة والقيادات الوطنية وفي النهاية شنه لحربه الإرهابية على قطاع غزة والتي في اعتقادي أثبتت للفلسطينيين (أو لمن يريد أن يفهم من الفلسطينيين) أن العدو هو الكيان الصهيوني وأن المحيط العربي لا مهرب منه والقضية الفلسطينية قضية عربية قبل أن تكون قضية قُطرية تتعلق بعرب صدف تواجدهم على أرض فلسطين ساعة الاحتلال فأصبحوا “فلسطينيين”.

 ثانيا: النضال على المحور العربي الداخلي

 هذا النضال يكاد يكون من أكثر المحاور ديناميكية وأهمية لعدة أسباب. أولا لأن اغتصاب أرض فلسطين كان اغتصابا لأرض وهمية الحدود يعيش عليها العرب بكافة انتماءاتهم المناطقية، فكان المستهدف من هذا الاغتصاب العرب، كل العرب. ثانيا لأن الشعب العربي هو الذي بدأ بالتفاعل مع النكبة وتداعياتها في حين كان “الفلسطينيون” تحت الصدمة، والعرب هم من أرسلوا جيوشهم وتفاعل إعلامهم واحتضنوا أشقاءهم ودخلت فلسطين أدبياتهم في حين كان هناك حالة من عدم التنظيم والفوضى لدى الفلسطينيين. ثالثا لأن العرب كانوا يعيشون وقتها كفاحهم ونضالهم ضد الاستعمار ولم يروا في اغتصاب فلسطين إلا موجة استعمارية جديدة ذكرتهم بدخول الفرنسيين والبريطانيين أراضيهم قبل عقود. هذا التفاعل العربي في الأربعينات والخمسينات أدخل فلسطين سريعا في مركز القضايا العربية لتصبح القضية رقم واحد (ولتبقى إلى هذه اللحظة) وبدأنا نرى الإنتاج الفكري يؤكد على هذه الحقيقة. بل إن اندماج العرب مع القضية الفلسطينية بهذا الشكل الرائع أدى إلى تشكيل ورسم الاتجاهات الفكرية والسياسية العربية لفترة كبيرة تلت النكبة.

 في الفترة الممتدة بين النكبة والنكسة كان استرجاع فلسطين موضوع مفروغ منه لدى العرب وكل النضال الشعبي متجه في هذا الاتجاه مؤيَّدا (ولو ظاهريا) من الحكومات والأنظمة العربية خاصة وأن مصر كانت مصر عبد الناصر والبعثيْن السوري والعراقي قد أصبحا في الحكم والجزائر قد نالت استقلالها على يد جبهة التحرير المدعومة من القوميين العرب. هذا الإصرار والتحدي والثقة رافقها غرور واستسخاف بالعدو وعدم إقران القول بالعمل ما أدى إلى ضربة الصهاينة الغادرة الموجعة في عام 1967 والتي كان لها الأثر الكبير على النضال الشعبي العربي. أولا أدت الهزيمة إلى فقدان الثقة بالأنظمة العربية والشعور بعدم الأمان. ثانيا أدت الهزيمة إلى النظر للكيان الصهيوني كقوة لا تهزم ما رسخ وجودها في العقول العربية بعد أن ترسخ وجودها أصلا على أرض الواقع. ثالثا أدت الهزيمة لأن ينقسم النضال بين مصرّ على استعادة فلسطين كاملة وبين من يطالب بالواقعية والاكتفاء بالضفة وغزة وهذا النقاش بدأ خجولا بعد النكسة وتصاعد بعد حرب تشرين/أكتوبر وبِدْء الحديث عن مفاوضات السلام وأصبح حقيقة بعد كامب ديفيد ثم أصبح “الهدف الواقعي” و “الخيار العقلاني” للمفاوضين العرب والفلسطينيين بعد مؤتمر مدريد، ليصبح كل من يطالب بفلسطين كاملة مجنونا أو حالما أو عائشا في الأوهام.

 لا شك أن النضال الشعبي العربي بعد النكسة تغيرت حدته ووجهته بمرور السنين، فتراجعت أهمية القضية الفلسطينية نسبيا على عدة ساحات عربية (الساحة اللبنانية في الحرب الأهلية رغم أن القضية الفلسطينية كانت أساس المشكلة وجوهر الخلاف، الساحة المصرية بعد كامب ديفيد وعزل مصر عربيا، الساحة العراقية بعد حربي الخليج، الساحة الخليجية بعد احتلال الكويت ..) وظهر من العرب من يلقي القضية الفلسطينية على ظهور الفلسطينيين وحدهم وكأن العرب غير معنيين، وظهر خلاف “فلسطين كاملة أو الضفة وغزة” كما ذكرت آنفا. ولكن ظلت فلسطين دوما هي الجوهر وهي المركز، ويعود الفضل جزئيا إلى حماقة الصهاينة وارتكابهم للمجازر كل فترة وفترة وكأنهم يتعمدون إيقاظ العرب من سباتهم المستمر. وتجدر الإشارة هنا إلى نقطتين قبل ترك النقاش في هذا المحور، الأولى هي أن التسليم بشرعية إسرائيل بالمعنى المطلق أو الوقوف إلى جانب إسرائيل لم يوجد في أي لحظة من اللحظات لدى الشعوب العربية على مدى الستين عاما، فكان هناك نوع من وحدة الصف تجاه هذه الدولة المعتدية بغض النظر عن الخلافات العربية-العربية أو العربية-الفلسطينية أو الفلسطينية-الفلسطينية رغم ظهور بعض الأصوات الشاذة الناعقة في الآونة الأخيرة التي أصبحت تعامل فلسطين وإسرائيل كما تعامل رومانيا وبلغاريا مثلا أو تشيلي والبيرو، وكأن الخلاف الفلسطيني (العربي أساسا)- الإسرائيلي هو خلاف حدودي أو خلاف على “كم كيلو متر” وليس خلافا جوهريا على أرض اغتصبت وشعب هُجّر وحرمات انتهكت. النقطة الثانية وهي الأهم هو بدء ظهور أجيال عربية تجهل التاريخ ولا تعلم أنه قبل واحد وستين عاما لم يكن هناك شيء اسمه إسرائيل وأن أولئك البشر (إن استحقوا هذه التسمية) ذوي العيون الخضراء والزرقاء والشعور السوداء الذين يسمون أنفسهم مواطني إسرائيل ما هم إلا أحفاد مهاجرين قدموا من أوروبا وروسيا بعد أن عاثوا فيها فسادا وثم مارسوا الإرهاب بشتى أنواعه لطرد أهلنا في فلسطين واختراع كيان على أرض لم تكن ولن تكون أبدا لهم. هذه الأجيال العربية الحديثة الجاهلة للتاريخ لا بد من توعيتها وإلا فإن القضية الفلسطينية ستصبح في مهب الريح. ما يميز قضيتنا عن باقي قضايا العالم أننا توارثناها من آبائنا الذين توارثوها من آبائهم وإذا انقطع هذا الحبل فحينها يمكننا أن نقلق على فلسطين!!

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: