Skip to content

وددت أن أكوي يده

11 أبريل 2009

يقال أن المبرّد – العالم اللغوي الكبير والذي عاش في القرن الثالث الهجري وعرفت فصاحته وبلاغته وعلمه الغزير في علوم اللغة نحوا وبلاغة ونقدا – قال أنه يودّ أن يكوي يد من يكتب حرف “إذاً” بالتنوين – كما فعلت أنا لتوي، وكان يرى أنه يكتب بالنون أي “إذن”. الحديث عن “إذاً” أو “إذن” يطول وهناك خلاف بين علماء اللغة فيه وليس هذا موضوع نقاشي هنا، بل أني أتساءل ماذا كان سيفعل المبرّد لو رأى ما تكتبه أيادي العرب الآن؟ ماذا سيفعل مثلا لو رأى عربيا يكتب أنتِ – ضمير المخاطب للمفرد المؤنث – بإضافة ياء فتصبح “أنتي”!! أو لكِ لتصبح “لكي”!! لدرجة ربما تجبرنا على إجازتها لغويا لشيوعها وتسميتها بـ”ياء” المخاطب المؤنثة!!!!

 أو ماذا تراه يفعل لو رأى العرب الذين يثبتون الألف المحذوقة إملائيا في “هكذا” لتصبح “هاكذا”!! أو “هذا” لتصبح “هاذا”!! أو “لكن” لتصبح “لاكن”!!  ثم يضاعفون اللام في “التي” لتصبح “اللتي”!! وينسون لام “اللتين” لتصبح “التين”!! أو ماذا تراه يفعل إن رأى نقطتي التاء المربوطة مختفية لتأخذ معها هذا الحرف من لغتنا وتبقي لنا الهاء وحيدة (أو ربما وحيده دون نقطتين!!) .. ولأن العرب يحبون العدل فلا يجوز أن تترك نقطتا الياء في آخر الكلمة كما هما، فتختفيان بدورهما لتصبح كل ياء ألفا مقصورة. ولو كانت شهية العرب متوقفة على أكل النقاط لكان الأمر هينا، ولكن نفس العرب الذين يأكلون نقاط التاء والياء يتكارمون عندما يشاهدون واواً، فترى كلَّ فعلٍ في آخره واوٌ تصحب بألف الجماعة!! فأصبح أحمد “يدعوا” وليس “يدعو” ومحمد “يشكوا” وليس “يشكو” والوطن “يسموا” وليس “يسمو”!! أما الهمزات فحدث ولا حرج .. فقد التغت “همزة القطع” من قاموس العرب وأصبحت همزاتنا كلها همزات وصل .. ماذا تتوقع من أمة تغني ليلا نهارا “صليني صليني” وتجعل شغلها الشاغل وصل الحبيبة؟؟ أتبقي هذه الأمة همزات قطعها؟ بل وإن بعضهم أصبح يضع همزات بأماكن خاطئة .. فـ”شيء” تصبح بقدرة قادر شئ (تدمج الياء مع الهمزة بحركة ملعوبة!!) ولا أستبعد إن استمر الوضع على هذا الحال أن أرى الهمزة فوق القاف أو السين!!

 وليت الأمر كان متوقفا على الإملاء فحسب .. بل إن طامتنا في النحو أعظم وأجلّ!! فقد قرر العرب أن الأفعال المضارعة التالية لحروف الجزم والمعتلة الآخر يجب أن تحتفظ باعتلالها!! وكأن العرب لم يكتفوا باعتلال حالهم وأحوالهم في شتى نواحي الحياة، وبلغت بهم الغيرة أن يبقوا على اعتلال هذه الأفعال أيضا .. فبدلا من  “لم أرَ خيرا منذ أن تركت لغتي” أصبحت “لم أرى خيرا”!! وبدلا من “لا تسمِّ أصدقاءك” صارت “لا تسمّي أصدقاءك” .. وإن كنتَ “محظوظا” سوف تجدها “لا تسمي أصدقائك” بجر الهمزة ولا أدري منذ متى يُجرّ المفعول به!! وللأسف، فموضوع ترك حرف العلة بعد أدوات الجزم أصبح شائعا لدرجة لا تطاق، تراه في كل مكان: على المواقع الإخبارية الشهيرة، في مقالات كبار الكتاب، وحتى تلك التي يكتبها شيوخ الدين وهم الذين يجب أن يكونوا أشد الناس تمسكا بلغتهم لغة القرآن!! وقس هذا الأمر على أفعال الأمر، فالسواد الأعظم من العرب يكتب “اللهم صلِّ على محمد” بإثبات ياء الفعل التي يجب أن تحذف بناء على الجزم، فيكتب العرب “اللهم صلي” وهذا خطأ.

 طبعا لا يقتصر الأمر على ذلك .. فستجد من يكتب بالـ”فصحة” وليس “الفصحى”!! وستجد من يحول تاء التأنيث بحنكة ومهارة إلى تاء مربوطة .. طبعا القاعدة – قاعدة اللغويين الجدد – في هذه الحالة تقول باحتفاظ تاء التأنيث “المربوطة” بنقطتيها!! وتحضرني حادثة قابلتها من فترة قريبة حين حاول أحد الأشخاص أن يتفنن ويكتب بالعربية الفصحى فسأل “وما يكن لك هذا الشخص من “قربة”؟” وأجبته: إن القربة هي ما تشرب بها يا هذا، ولكن اسمها “قربى”. طبعا هذا ناهيك عن قواعد العدد والمعدود وضبط اسم الشرط وجواب الشرط والإعراب في أسلوب الاستفهام وغيرها من القواعد الأكثر غموضا في لغتنا “الفصحة”.

 وهنا أنا لم أتطرق لا من قريب ولا من بعيد للنطق، أي تكلم اللغة العربية بشكل صحيح سليم .. فهناك كثير من أبناء أمة الضاد لا يميز بين هذا الحرف وحرف الظاء، وأنا لا أتكلم هنا عن نطق الضاد ظاءً بل أتكلم عن عدم معرفة الفرق أصلا!! ولست قاسيا على هذه الأمة، فأنا أدرك صعوبة التحدث بلغة مضبوطة سليمة بعد أن عمت البلوى، ولكن أقلها هو التحدث بعربية سليمة عند القراءة من ورقة أو كتاب!! ولعل المضحك أن شخصيات مرموقة تخرج لنا على التلفاز و”تنترنا” خطابات عن مصالحات وحوار وتقارب وتراها ترفع الاسم المجرور وتتلعثم في قراءة آية قرآنية معروفة، وكل ذلك قراءة من الورقة!!

 صدقا أخي القارئ، أنا أشعر بالمرارة الشديدة وبحرقة في القلب عندما أرى هذه الأخطاء اللغوية خاصة وأن الأجيال الجديدة فقدت الإحساس بأهمة اللغة العربية .. أمة بلا لغة ما هو مآلها يا رعاك الله؟!! لا حضارة لأمة بلا لغة .. ولا حضارة لشباب أصبح يكتب بالعامية طوال الوقت (ولاحظ أني لم أقل “يتكلم” بل “يكتب” فموضوع التحدث بالعامية أصبح القاعدة في هذه الأمة ولا تستبعد أن تخرج لك مذيعة الأخبار يوما ما مفتتحة النشرة “مسا الخير جميعا ومنحييكن وحابين نُعْرُ”د” عليكن نشرة الأخبار”!!) ولست ضد إيراد كلمة أو اثنتين أو جملة بالعامية في مقالة أو رسالة، ولكن أن تكتب مواد كاملة بالعامية فهذا الخطر بعينه.

 لست بالأديب، ولا الشاعر الكبير، ولا البروفيسور الرهيب المتبحر بعلوم اللغة الضالع بالنحو والصرف والبلاغة .. ولكن ما يطول لغتنا أصبح فوق الاحتمال، وأصبحتْ لغتنا في قلب دائرة الخطر الحقيقي، وعلينا أن ننتفض لنحميها، وهي محمية إن شاء الله محفوظة بالقرآن ولكن علينا أن نأخذ بالأسباب. ولعل العرب قديما لم يخطر ببالهم أن يقوم أحفادهم بما يقوموا به الآن من أخطاء لغوية شنيعة، فاللغة محفوظة بالقرآن. لذا فواجبنا أن نتصدى لما يعتري لغتنا من هجمات مقصودة وغير مقصودة لإلغائها .. أما المبرّد فأحمد الله أنه لم يعش إلى هذا الزمان ليشاهد كل هذه الأخطاء، فبالتأكيد إذا كان سيكوي يد من يكتب “إذاً” بالتنوين، فإنه سيصب الكيروسين على نفسه ويحرق نفسه منتحرا على ما أصاب أمة الضاد من بلاوى لغوية .. وليسامحنا المبرّد على مزحنا بحقه رحمه الله.

اكتب تعليقُا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: