تخطى إلى المحتوى

"أوقفوا القتل .. نريد أن نبني وطنًا لكلّ السوريين" - ريما دالي

17 أبريل 2012

عن الطائفية .. في ذكرى استقلال سورية

باختصار

في 17 نيسان من كل عام يحتفل السوريون بذكرى جلاء آخر جندي مستعمر عن الأرض السورية في عام 1946. إن رمزية هذه الذكرى تتضمّن فيما تتضمّنه الكثير من المعاني والتضحيات التي قدّمها السوريون منذ أن حطّت القوات الفرنسية أقدامها على الساحل السوري بانتداب فُرِض لاحقًا على المملكة العربية السورية آنذاك، مرورا بمعركة ميسلون الخالدة في 24 تموز 1920 والتي قادها وزير الدفاع آنذاك يوسف العظمة واستشهد فيها، ثم الثورة السورية الكبرى وغيرها من النضالات المدنية والسياسية والمقاومة الشعبية، وانتهاء بالجلاء النهائي في 17 نيسان. ولكن في صلب هذه الرمزية معنى هامًا جدًا يبدو أن التذكير به في هذه الظروف بالذات هو أفضل ما يمكن فعله في هذه المناسبة. لقد كانت مقاومة الفرنسيين، إضافة إلى كونها معركة حول استقلال البلاد عن المستعمر، معركة أخرى حول وحدة السوريين وأرضهم منذ بداياتها الأولى وحتى تحقّق النصر لأصحاب الحق.

لقد سعى المستعمر الفرنسي إلى تفتيت النسيج الاجتماعي السوري بل وتقسيم الأرض السورية ما استطاع. وأول ما قام به هذا المستعمر بعد إسقاط المملكة العربية السورية هو تقسيم سورية الطبيعية الواقعة تحت إدارته إلى ستة أقسام على أساس طائفي-جغرافي: دولة دمشق، دولة حلب، دولة العلويون، دولة جبل الدروز، دولة لبنان الكبير، وسنجق الإسكندرونة. وظلّت سورية لسنوات عديدة مقسّمة على هذا الأساس، وظلّ السوريون ثائرين على هذا التقسيم رافضين أن يُقَسَّم أبناء الوطن الواحد إلى أن استطاعوا أن يوحّدوا سورية مجدّدًا في دستور 1936 والذي أسّس لسورية التي نعرفها اليوم ضامّة دولتيْ دمشق وحلب ومحافظة الجزيرة والساحل (دولة العلويين) وجبل الدروز، ورفض المستعمر الفرنسي أن يكون لبنان جزءًا من هذا الاتحاد وكرّس الجمهورية اللبنانية التي نعرفها اليوم. كما قدّم المستعمر لواء الإسكندرون إلى الأتراك (بعد أن قدّم أقاليم سورية الشمالية قبلها).

إذاً، المعركة ضد المستعمر كانت معركة شعب واحد على أرض موحّدة رفض التقسيم رغم التمايزات الطائفية التي لم يجدها أجدادنا حاجزًا مانعًا للعيش في وطن واحد بآمال واحدة وأحلام مشتركة ونضال تخضّب بدم واحد هو الدم السوري الذي لم يعرف طائفة. هكذا رأى الجميع أن سورية هي لكل السوريين، وتسع كلّ السوريين، وتستحقّ تضحية كل السوريين. وفي ظلّ الظروف الحالية التي تمرّ بها سورية، وانتفاضتها الشعبية على الاستبداد والقمع والهمجية، ترتفع الأصوات حول الموضوع الطائفي مجدّدا. وهذا أمر مفهوم في ظل التحريض الطائفي الإعلامي والسياسي الذي يتّبعه النظام منذ اليوم الأول للثورة السورية، بل وهناك أدلة كافية تشير إلى أن السياسة الأمنية القمعية للنظام في بعض المناطق السورية ركّزت على إثارة الضغائن بين السوريين على أساس طائفي. ولا يساعد في التغاضي عن هذه النقطة الاصطفاف الإقليمي الداعم للنظام السوري، والذي قد يبدو للوهلة الأولى ذا بُعْدٍ طائفي. كلّ ذلك مفهوم، ويصبح مفهوما أكثر عندما تكثر التضحيات والدماء المراقة، وتصبح اللغة العاطفية-الغرائزية طاغية على صوت العقل والحكمة في لحظات كثيرة، بعض هذه اللغة يظلّ منضبطا بالأخلاقيات التي تحافظ على الجامع الأكبر بيننا نحن السوريين فيأخذ طابعا ليّنا معاتبا، والبعض الآخر يفلت من هذه الضوابط ويقع في محظورات الشحن الطائفي والتعميمات المقيتة والاتهامات الباطلة التي لا تخدم في النهاية الهدف الأكبر بكل تأكيد.

ما يهمّ طرحه في هذا الصدد الآن هو نقطتان: أما الأولى فهي توصيف حقيقي للأحداث الراهنة وبالأخص تلك التي تسمّى بـ”ذات الطابع الطائفي”، وأما الثانية فهي وضع إطار عام يسمح لتداول المواضيع الطائفية وظواهرها دون إسفاف يستفزّ شرائح المجتمع المختلفة وذات العلاقات البينية المهترئة أصلا، وفي نفس الوقت دون الهروب إلى الأمام بخطابات إنشائية ومجاملات من نوع “السوريون لم يعرفوا الطائفية يومًا” لأن ذلك سيسمح للمشكلة بالتفاقم دون معالجة سريعة لن تتوفّر حتما إذا لم يتم التشخيص المنصف الموضوعي مهما كان مؤلمًا.

أما ما يجري، فلا يمكن إنكار أبدًا أن هناك عاملاً طائفيًا في المعادلة السورية برز بشكل أكبر في خضمّ ثورتها المشتعلة. ولكن يخطئ من يعتقد أن أساسَ ما يجري طائفيٌّ وإن كان النظام وبعض الأطراف المحسوبة على الثورة تريده أن يبدو كذلك. أما النظام، فهو يتكوّن من حكم مافيوي قائم على العائلة وقراباتها والمتنفّذين في دوائرها المقرّبة إضافة لبعض التجار المرتبطة مصالحهم مع النظام وبعض “الموظفين” الذين ينفّذون الأوامر دون هامش مناورة كبير يملكونه. صودِف أن هذه العائلة الحاكمة تنتمي إلى إحدى الطوائف في هذه البلاد، وبالتالي فإن حلقات القوى القريبة من العائلة وخاصة في الجانب الأمني (الذي ينبغي أن يحوز على ثقة الحاكم الديكتاتوري) ارتبطت بعلاقات قرابة مع هذه العائلة أو تشارك في الانتماء الطائفي. رأينا نفس الظاهرة تتكرّر في معظم الدول القمعية: ليبيا القذافي كانت كذلك، تونس بن علي والطرابلسي كانت كذلك، يمن علي عبد الله صالح كان كذلك، وحتى عراق صدام حسين كان كذلك .. وكل هذه أنظمة تنتمي إلى طائفة أخرى يُفتَرَض أنها في صراع مع الطائفة التي يمثّلها الأسد. هكذا تنسج الديكتاتوريات “مؤسساتها”، وسورية ليست استثناء. بل أننا نرى أن زوجة الديكتاتور السوري تنتمي إلى الطائفة المقابلة، وكذلك نائبيْ الرئيس وأرفع وزرائه وبعض أهم ضبّاط أمنه. الآن، هذا النظام يواجه ثورة شعبية ويهمّه أن يعزل أكبر قدْر من الشرائح المجتمعية عن دعم هذه الثورة، لذا فإنه يبدأ بنشر بروباغاندا خاصة به تهدف إلى تخويف طوائف معيّنة من الحراك الشعبي، ومن ثم تسليح هذه الطوائف وربما تسريب بعض المقاطع التي حوت تنكيلا وإهانات للمواطنين لزيادة الاستقطاب على أساس طائفي، وهو استقطاب يستفيد منه النظام دون أن تستفيد منه الطوائف التي يستخدمها، بل يزيد شقاؤها وعزلتها.

يبدو الأمر ظاهرا جدا في الفقر الذي تعيشه قواعد هذه الطوائف مقارنة بالغنى الفاحش للعائلة الحاكمة، وفي الدفع ببعض شبابها إلى الواجهة، وتوريط مناطق ذات غالبية من الطائفة بأعمال غير مسؤولة قام بها “زعران” أو حتى مسؤولون أمنيون لا يمثّلون حقيقة هذه الأحياء. ولا أتكلّم هنا عن الآراء السياسية، بل أتكلّم عن أعمال قتل وقمع وتنكيل وإهانات. وأخيرا، فإن قوى إقليمية تجمعها مصالح مع النظام قبل الثورة وصَدَف أنها تنتمي لطائفة قريبة من طائفة النظام تقرّر الاصطفاف مع النظام بعد الثورة والمساهمة ربما في قمع الحراك الشعبي، وهو موقف لا أخلاقي ولا قانوني لن ينساه السوريون بكل تأكيد. هنا يذكر البعض إيران وحزب الله، ولكن ينسون – على سبيل المثال – أن روسيا والصين وفنزويلا تتخذ نفس المواقف وبناء على المصالح أيضا وليس الطائفة. إذاً، هو نظام يستخدم الطائفة في صالحه، وليست طائفة تستخدم النظام في صالحها .. هو نظام تهمّه مصلحته في النهاية ولن يتوانى عن قمع أبناء الطائفة ذاتها المتّهم بتمثيلها، وقد فعلها سابقا بضراوة تعادل ضراوة قمعه للطوائف الأخرى. ومع ذلك، لا ينبغي أن ننكر أن النظام نجح كثيرا في استغلال الطائفة وزيادة الاستقطاب الطائفي في المجتمع السوري بشكل يخدم هدفه بقمع الثورة. ولإنجاح الثورة ينبغي أن نواجه داء النظام بالمصل المناسب، وهو تعزيز اللُّحمة الوطنية والعلاقات البيْنية بين السوريين عودة إلى شعارات الثورة الأولى “واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد”. لنتذكّر جميعا أننا كما نحتاج إلى تجار دمشق وأثريائها – وهم من طائفة أخرى كما نعلم – لإنجاح الثورة وإسقاط النظام، فإننا نحتاج إلى مختلف الطوائف السورية الأخرى لتحقيق هذا الهدف أيضا .. والساحل ليس استثناءً بكل تأكيد.

إذاً لدينا مشكلة تستلزم تشخيصًا في البداية قبل أن نشرع في حلّها عن طريق إعادة توجيه الخطاب الإعلامي والسياسي بما يؤكّد على الترابط المواطني فوق أي رابطة أضيق، وإقامة مصالحة إجتماعية واسعة في مختلف المناطق السورية وخاصة حمص وحماه والساحل. إن هذا التشخيص يجب أن يُضْبَط بأدوات تضمن عدم تحقيقه الهدف المعاكس تماما لما يُرْجى منه. هذه بعض “المحظورات” التي ينبغي تجنّبها عند نقاش القضية الطائفية:

1- التجنّب التامّ للتعميم، وخاصة السلبيّ منه، والانتباه أن كل طائفة مثلها مثل “طائفتي” أو أي مجموعة أخرى، فيها الآراء جميعها من أقصى يمينها إلى أقصى شمالها، وأن هذا “الكلّ” الذي يُحاوَل تبسيطه بالتعميم هو عبارة عن أفراد مختلفين يفكرون بأشكال مختلفة وينتمون إلى أفكار مختلفة.
2- تجنّب النسخ والإلحاق، بمعنى أنه إذا قام الفرد “س” من الطائفة الفلانية بجريمة معيّنة، فالفرد “ص” من نفس الطائفة ليس مسؤولا عن هذه الجريمة. “لا تزر وازرة وزر أخرى”.
3- تجنّب التعريف بالانتماء الطائفي والتركيز على الانتماء المواطني. صحيح أن القضية المطروحة هي القضية الطائفية، ولكن النقاش الجاري يجب أن يقوم على أساس الانتماء المواطني بين سوريِّين، وليس على شاكلة “أمراء الطوائف”! ترتيب الأولويات يساهم في التركيز على الهدف.
4- تجنّب تزييف الادعاءات أو نشر الشائعات أو اختلاق الأحداث غير الدقيقة أو عديمة الأساس عن الطائفة الفلانية.
5- تجنّب طرح أي تمايزات على أسس ما دون-مواطنية بحيث تكون المواطنة هي معيار التفاضل الدائم، وما دون ذلك هو انتماءات اختلافها ظاهرة صحية تسهم في التنوّع وإثراء الثقافة والرصيد الوطني.
6- تأطير الطرح ضمن المسلّمات الوطنية لا المسلّمات الطائفية/الدينية/المذهبية، فالمشترك هنا هو الوطن، وهو ما ينبغي أن يكون مسلّما به من قبل الجميع، بينما “مسلّماتي الدينية” قد لا تكون مسلّمات لدى الآخر، ولا ينبغي فرضها عليه كمسلّمات بأيّ حال.
7- احترام مقدّسات ومسلّمات الآخر حتى لو لم تكن ذات قيمة بالنسبة لي، مع إمكانية نقاشها بكل تأكيد دون تجريح أو إهانة أو تحقير أو استفزاز.

في المقابل، فإن هامش النقاش واسع جدا ويشمل كل شيء ما خلا المحاذير السابقة. يمكن تسمية الأمور بمسمّياتها، ويمكن وضع الأصابع على الجروح كلّها، بل ينبغي فعل ذلك من أجل المصلحة الوطنية والحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي والتراب الوطني. إن الانتماءات الطائفية موجودة، ولن يستطيع أحد إلغاءها بسهولة، وليس في ذلك ضير. المشكلة تكمن عندما يصبح الانتماء الطائفي أكبر من الانتماء الوطني أو تصبح الطائفة ظاهرة سياسية ويصبح تصنيف الجماعات على أسس طائفية لا مواطنية. وفي رأيي المتواضع، ما زالت سورية بعيدة عن الانزلاق الكامل في الفخ الطائفي، ولكن البوادر التي نلحظها هنا وهناك تستدعي وقفة جدية صريحة للوصول للأهداف التي على إثرها انطلقت ثورة الحرية والكرامة، ومن أجلها ناضل أجدادنا ضد المستعمر!

15 مارس 2012

سورية الثورة: مراجعة تحليلية في ذكرى انطلاقها

123

في مثل هذه الأيام في العام الماضي انطلقت ثورة الحرية والكرامة في سورية، وقد مهّد لها إرهاصات كثيرة منفصلة ومنعزلة تعود لسنين مضت بداية بما سُمِّي بربيع دمشق في 2001، ثم إنشاء إعلان دمشق كجبهة للأحزاب المعارضة، ثم انتفاضة القامشلي في 2006، ثم اعتقال المُدَوِّنة طل الملوحي في 2009 وغيرها من الأحداث. ومع بداية الربيع العربي بدا جليّا أن السوريين معنيون تماما بما يجري، وتضامن السوريون مع أشقائهم في تونس ومصر وليبيا (واليمن المظلومة إعلاميا برأيي). وتصاعدت المطالبات بالتظاهر في سورية، فكانت أولى الدعوات للتظاهر في يومي 4 و5 شباط ولكنها لم تجدْ صدى في الشارع ما أشعر النظام السوري بأنه في معزل عما يجري. ولكن حادثة الحريقة في 17 شباط 2011 كانت رسالة واضحة أن السوريين يطوقون إلى الكرامة بعد أن علا الهتاف الشهير الذي ميّز ثورة سورية عن غيرها: “الشعب السوري ما بينذل”. ورغم أن الجميع قد تعامل مع حادثة الحريقة بأنها مظاهرة “إجتماعية” معزولة جاءت ردا على حادثة فردية من رجل أمن، إلا أنها لم تكن كذلك بكل تأكيد، بل كانت تلخيصا لحقبة سياسية عاشتها سورية في 48 عاما خَلَت، وكان الصوت مدويّا من قلب دمشق عاصمة البلاد، ومن أكثر من 1500 سوريّ قرروا تحدي السلطات.

وفي نفس هذا الوقت، كانت درعا تعيش قصة مختلفة في الشكل، شبيهة في المضمون، حيث قام أطفال إحدى المدارس بكتابة عبارات مناهضة للنظام على جدران مدرستهم ما أنتج ردّا عنيفا جدا من السلطات الأمنية تمثّل باعتقالهم وتعذيبهم ورفض إعادتهم لأهاليهم. وكان لهذه الحادثة دوْر هام في شحن أبناء درعا المدينة والمحافظة ضد النظام، وساعدت هذه الحادثة شباباً رائعاً كانوا يعملون خلف الكواليس لإطلاق الثورة في درعا عندما تنضج الظروف. هكذا تضافرت الجهود معا: دعوات إلكترونية للتظاهر في 15 آذار، وتخطيط من بعض شباب حوران لإطلاق الثورة في درعا في 18 آذار مستفيدين من حادثة الأطفال. وسواء بدأت الثورة يوم 15 آذار، اليوم الذي خرجت فيه أول مظاهرة تُنْسَب للثورة السورية في قلب دمشق في الحميدية لتتبعها في اليوم التالي وقفة اعتصامية أمام وزارة الداخلية، وتم اعتقال الكثيرين من الذين شاركوا في هذين النشاطين، أو يوم 18 آذار، وهو أول جمعة في الثورة السورية حيث انتفضت درعا وقدّمت أول شهيدين، الشهيد محمود الجوابرة والشهيد حسام عياش، فإن الأكيد أنه في سورية ثورة انطلقت بعكس ما نفاه النظام لأشهر عديدة، وأن هذه الثورة ستغيّر سورية وحياة السوريين .. بل وستكلّف سورية أكثر من 10 آلاف من خيرة أبنائها وبناتها، وستهجّر عشرات الآلاف، كما ستغيّب عشرات الآلاف في أقبية الظلام والاستبداد والاعتقال. في آذار 2011 انطلقت في سورية ثورة، وما زالت مستمرة حتى كتابة هذه السطور.

يمكننا أن نسهب كثيرا في الإشادة ببطولات السوريين وتضحيات شبابها وشاباتها في السعي لكرامتهم وحريتهم في “مملكة الصمت”، وهي بلا أدنى شك تضحيات أسطورية سيكتب التاريخ عنها كثيرا، وستُسْطَر بأحرف الذهب في كتب النضال ضد الاستبداد. ولن أكونَ متحيّزا أبدا إن قلت أن هذا النضال الذي يقدّمه السوريون الآن هو أشجع وأعظم نضالات الربيع العربي كله، إن لم يكن أميَزَها على الإطلاق في تاريخ الشعوب. وقد لا يفوقها إلا نضال الفلسطينيين الذي جاوَزَ الستين عاما، فليس من العدل مقارنة ذلك بنضال عام واحد فقط. ومع ذلك، فإن الأهم في هذه المرحلة هو تحليل الوقائع والمعطيات بتجرّد وموضوعية، وتناول مختلف المستجدات والقضايا بجرأة وصراحة بغرض قيادة هذه الثورة إلى بر الأمان، وتحقيق غاياتها وأهدافها مع الحفاظ على وحدة البلد وشعبه. إن التغاضي عن الأخطاء وتجاهل الحقيقة والمجاملة وإغماض العين كلها وصفة سحرية لإفشال الثورة وخدمة النظام وأعداء السوريين من حيث ندري أو لا ندري، لذا فإني سأسعى في هذا المقال إلى تناول بعض القضايا الأساسية في الثورة محاولا مقاربتها بالشكل الذي أعتقد أنه سيخدم الثورة وأهدافها.

أولا: متى تنجح الثورة؟

إنه من الضروري جدا أن نتذكّر الهدف الذي من أجله انطلقت هذه الثورة، ومع تحديد الهدف يمكن تحديد كل شيء آخر حتى أصغر تفصيل من تفاصيل هذه الثورة. وقد يكون هذا الهدف بديهيا يعلمه الجميع، إلا أن هوْل الأحداث وعظم التكلفة التي يقدّمها السوريون قد تحرف من تركيزنا وتضيّع الخطوط العريضة في متاهات التفاصيل. إن هدف الثورة السورية هو تحقيق كرامة وحرية السوريين (وهي فحوى الهتافات التي أطلقها المتظاهرون في دمشق يوم 15 آذار ودرعا يوم 18 آذار ثم في بقية محافظات سورية)، وسبقت هذه الهتافاتُ هتافَ إسقاط النظام الذي أُطْلِق في مرحلة لاحقة بعد أن تيّقن السوريون من استحالة تحقيق حريّتهم وكرامتهم عن طريق هذا النظام. ومن خلال الهتافات واللافتات السياسية الغالبة على المظاهرات خاصة في بدايتها، إضافة إلى الرؤى والبرامج السياسية التي قدّمتها أطراف عديدة من المعارضة، يمكن تلخيص هدف الثورة بتحقيق الدولة المدنية الديمقراطية التعددية المرتكِزة على المواطنة أساسا للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتحقيق هذا الهدف لن يكون إلا مرورا بإسقاط النظام. وعلى ذلك، فإن كل ما يندرج تحت الثورة يجب أن يؤدي بالضرورة إلى هذه النتيجة، وإلا فإن أي فكرة أو تفصيل تتناقض والهدف فهي بالضرورة تعمل في غير اتجّاه الثورة ومصلحة السوريين.

ثانيا: كيف تنجح الثورة؟

هناك عاملان اثنان يتحكّمان في الحلول التي ينبغي طرحها لإنجاح الثورة. الأول هو أن يصبّ الحلّ في تحقيق هدف الثورة، فأي حلّ لا يؤدي إلى سورية مدنية ديمقراطية تعددية هو ليس حلّا ثوريا مهما رُوِّج له حتى لو كان شعبيا. لا ينبغي لظرف مرحلي أو لحظة آنية أن تفرض علينا قرارات تهدم العناوين العريضة التي على إثرها وصلنا إلى ما وصلنا إليه الآن. لا ينبغي أبدا لأي حلّ أن يفرّط بأيّ كلمة من هذه الكلمات الأربع مقترنة: “سورية، مدنية، ديمقراطية، تعددية”! أما العامل الثاني فهو خفْض الخسائر إجمالا والكلفة البشرية للثورة تحديدا (وهذا يرتبط بالتأكيد بتقصير العامل الزمني اللازم لإنجاح الثورة). بين هذين العاملين يمكن إبداع الكثير من الحلول المرحلية والجوهرية لإنجاح الثورة، وتصوّر كاتب هذه السطور يتضمّن برنامجاً من خمس نقاط:

1-   تشكيل ائتلاف معارض يضمّ الجميع بالحد الأدنى من التمثيل،

2-   تقديم خطاب إعلامي سياسي يهدف بشكل رئيسي إلى استقطاب الأكثرية الصامتة وتحديدا الأقليات والطبقة المتوسطة والغنية في دمشق وحلب،

3-   العمل على تسوية سياسية عن طريق الجامعة العربية أو أطراف دولية من ضمنها روسيا تهدف إلى تنحي الأسد وتشكيل حكومة وطنية بصلاحيات كاملة تضم المعارضة ومستقلين وأطرافا في السلطة لم تشارك في القتل،

4-   تشكيل مجالس مدنية في مختلف المناطق الثورية لإدارة هذه المناطق ريثما تتشكّل حكومة وطنية،

5-   وأخيرا الاستمرار في الدعم الإغاثي المادي الإعلامي للحراك الشعبي وزيادته بما يضمن استمرار هذا الحراك حتى تحقيق أهداف الثورة.

ثالثا: ماذا يهدّد الثورة؟

ومع ضرورة السعي إلى تفعيل الجوانب التي ستسرّع في إنجاح الثورة وتحقيق أهدافها، لا بدّ في الوقت نفسه تلافي السلبيات التي تهدّد ذلك بل ومحاربة بعضها أيضا. وبعد مضيّ عام على الثورة، يتبادى لنا ثلاث سلبيات تحرف الثورة عن أهدافها وتخدم النظام وتزيد في الكلفة البشرية. أما الأولى فهي الطائفية، وإن كانت لا تزال ظاهرة محدودة جدا قياسا على حجم الحراك الشعبي وطول مدته ومقدار العنف الهمجي للنظام والذي يهدف إلى طوأفة (من الطائفية) الحراك الشعبي المدني العابر للطوائف والأعراق. إن الطائفية التي يسعى النظام بتصرفاته لإثارتها يمكن أن تتجسّد في شعارات أو أفعال إما تتّخذ طابع تعظيم طائفة معيّنة، أو مهاجمة طائفة معيّنة، وفي كلتا الحالتين يصبح لدينا تمييزٌ بين السوريين على أساس الطائفة. هذه النقطة بالذات لها أثرٌ خطير جدا على الثورة، فهي تضرب مصداقيتها في طروحاتها وأهدافها من جهة ما يؤثّر على مشاركة شرائح كثيرة من السوريين في الثورة (سواء الذين لم يشاركوا في الحراك، أم أولئك المشاركون ولكنهم يشعرون بالتهميش) وهذا هو عكس تماما ما ينبغي فعله في هذه المرحلة لإسقاط النظام، ومن جهة أخرى تضرب الطائفية هدف الثورة في الصميم بإفراغ مفهوم المواطنة من محتواه ما يجعل مصطلح التعددية المدنية بلا معنى حقيقي، وكذلك كل الثورة، فليس الهدف الخلاص من ديكتاتورية معيّنة ليرزح السوريون تحت نير ديكتاتورية أخرى بنكهة مختلفة! أما السلبية الثانية فهي المبالغة والتضخيم والخطاب الإعلامي غير المهني. ولهذه السلبية أثر هام في تنفير الأغلبية الصامتة عن الثورة رغم امتعاض كثيرين منهم من النظام وعدم رضاهم عن أدائه بالمجمل. إن مصداقية الثورة عنصر هام في توسيع جغرافية وديمغرافية الحراك بما يؤدي إلى تعجيل إسقاط النظام، وثورتنا ثورة عادلة محقة لا تحتاج أبدا إلى تغيير في الحقائق حتى تقنع السامع. أما السلبية الثالثة فهي انقسام المعارضة وتشعّبها بل ومهاجمة بعضها البعض في أحيان كثيرة، مرة بهدف التقويم مع سوء الأسلوب، ومرات من باب المزايدة الرخيصة الهادفة إلى تسجيل نقاط ومن ثم مكاسب شخصية مؤقتة على حساب دماء الشهداء.

رابعا: المعارضة السورية

لقد أثبت طرفا المعارضة الرئيسيان المتمثلان في المجلس الوطني وهيئة التنسيق فشلهما الكامل في قيادة الحراك الشعبي، وبالتالي القدرة على تمثيل مطالبه الأساسية والانتقال بالبلاد إلى مرحلة انتقالية تلي سقوط النظام. هذا الفشل نبع من عوامل ذاتية، كان سوء التنظيم وضعف الخطاب الإعلامي والنخبوية في الطرح بعضها في هيئة التنسيق، وعدم التجانس وغياب الرؤية السياسية والشعبوية في الطرح بعضها في المجلس الوطني، كما نبع أيضا من عوامل خارجية ساهمت أطراف المعارضة المختلفة في إنتاج بعضها (مثل التحريض القائم على مغالطات كاذبة بحق هيئة التنسيق، وقيام بعض الأطراف في المجلس الوطني بإفشال الاتفاق مع الهيئة والذي كان من شأنه توحيد المعارضة) كما ساهمت أطراف عربية ودولية في البعض الآخر. نتج عن هذا الفشل انقسامات أخرى في جسم المعارضة ما يخلق أجواء تشبه التحالفات القائمة في زمن الانتخابات، وليس في حالة ثورة يستشهد فيها عشرات السوريين كل يوم! إن الفوضى السياسية التي تعتري المعارضة اليوم تتطلب من كل الأطراف أن يتحلوا بمسؤولية عالية جدا تدفعهم إلى عقد مؤتمر وطني جامع للأطراف الرئيسية في المعارضة، والتي أصبحت معروفة للجميع، على أن يُنْتِج هذا المؤتمر ائتلافا معارضا يتمثّل به الجميع بالحد الأدنى، ويتولى هذا الائتلاف تمثيل الحراك الشعبي في الخارج والتوصّل إلى تسوية سياسية لإنجاح الثورة بأقل كلفة بشرية. إن ائتلافا كهذا من الضروري أن يتضمّن أقل عدد ممكن من الأعضاء حتى يكفل ديناميكية وسرعة في اتخاذ القرارات دون الضياع في كثرة العدد وعقم النقاشات، ودون الحاجة للرجوع لمختلف التكتلات والأحزاب قبل اتخاذ القرارات.

خامسا: “الجيش الحرّ” والتدخل الخارجي

لقد بدأت ثورة الحرية والكرامة سلمية، وانتهجت النضال اللاعنفي سبيلا ووسيلة لتحقيق أهدافها. وكان هذا جليّا في الهتافات واللافتات التي طبعت أشهر الثورة الأولى. وحتى هذه اللحظة، فإن الغالبية الساحقة من الحراك الشعبي ما زالت سلمية تجابه العنف والرصاص والصواريخ بالصدور العارية. ولكن مع اشتداد وطأة هذا القمع الهمجي اضطر البعض لحمل السلاح دفاعا عن النفس، وهذا مفهوم بل ويعتبر حقا شرعيا لمن يُهَدَّد في ماله وعرضه ونفسه. كما أن شدة هذا العنف واكتشاف كذب النظام من قبل المجنّدين في الجيش النظامي دفع الكثيرين منهم للانشقاق في موقف بطولي وطني أخلاقي إنساني يحترم القسم الذي أقسموه عندما قرروا لبس البدلة العسكرية، وكلّف هذا الموقف الكثيرين حياتهم. إن الرد على هجوم من عناصر النظام في حالة معزولة وإن تكررت أمر مفهوم، ولكن تنظيم هذه الظاهرة والدعوة إليها وتوسيعها هي موضع النقاش هنا.

إن التاريخ يقول أنه لم يستطع السلاح غير المدعوم من الخارج التغلّب على نظام استبدادي في الوطن العربي، فشلت الثورة المسلّحة في سورية، وفشلت في الجزائر، وفشلت في العراق. وإن العقل يقول أن الجنوح إلى المواجهات العسكرية تزيد من الكلفة البشرية وتطيل من مدة الصراع، ورأينا هذا جميعا في بابا عمرو قبل أيام قليلة، بينما تكون الكلفة البشرية للنضال اللاعنفي أقل بالمقارنة. لذلك، فإن قيام جماعات منظّمة بمواجهة النظام بالسلاح سيؤدي إلى نتائج عكسية بسبب عدم التكافؤ المطلق عددا وعدة وعتادا. ولا يمكن لهذه المواجهة أن تنجح إلا بدعم خارجي أساسي وكبير مباشر أو غير مباشر، وبغض النظر عن رأينا بهذا الدعم فإن هذا الخارج لا يرغب أصلا بتقديمه رغم طَرْق أبواب عدة وبطرائق عديدة. وعلى هذا، ومع غياب احتمال التدخل الخارجي في المدى المنظور، فإن النضال المدني اللاعنفي يبقى الوسيلة الأفضل والأنجع في دفع هذه الثورة إلى الأمام. أما الجنود المنشقّون المنضوون في تنظيم هلاميّ الهرمية والتكوين يُعْرَف بالجيش الحر، فإن تضحياتهم محلّ تقدير جمّ، وينبغي عليهم كلّ حسب تواجده الجغرافي التنسيق مع القيادات المدنية لمختلف المناطق بحيث ينحصر دورهم في تأمين المظاهرات وتولي مهمة حفظ النظام في المناطق الثائرة والالتزام بذلك حصرا.

سادسا: علاقة الثورة بالخارج

وفي ضوء كل ما سبق، فإن علاقة مكوّنات الثورة المختلفة مع الخارج يجب أن تصبّ بلا أدنى شك في مصلحة الثورة ومصلحة البلد بالضرورة. من الهام جدّا التواصل مع مختلف دول العالم (عدا الكيان الصهيوني) لعرض تضحيات السوريين ومطالبهم والحصول على الدعم السياسي الدبلوماسي والإغاثي الإنساني. ومن الهام جدا بناء علاقات مع الدول المحورية ذات الثقل بهدف الضغط على النظام وربما إجباره على تقديم التنازلات التي تؤدي إلى تنحيته عن الحكم، وأخص هنا روسيا والصين وحتى إيران إن أمكن. ومع ذلك، يجب أن تبقى هذه العلاقات في حدود المصلحة السورية دون أن ترهن السوريين لمصالح الغرب والشرق، وتجرّهم إلى اصطفافات محاور يخوضون من خلالها حربا فيما بينهم بالوكالة تصفية لحسابات دول مع دول. كما يجب أن لا تؤثّر هذه العلاقات على النسيج الاجتماعي السوري ووحدة ترابه وشعبه حتى لو كان ذلك على حساب حليف إقليمي. يجب أن يعلم السوريون أن من مصلحة الغرب والكيان الصهيوني (وبعض الأطراف العربية والإقليمية) إطالة عمر النزاع في سورية لاستنزاف مواردها وإضعاف مكانتها وإشغالها بنفسها عن قضايا المنطقة، فبالنسبة لهم سورية غير مستقرة أفضل من سورية ديمقراطية أو سورية يحكمها نظام قوي. وبالتالي، ينبغي أن لا ينتظر السوريون الكثير من الخارج، وعليهم أن يسعوا لإنجاح ثورتهم بأنفسهم وجهدهم الذاتي، وهكذا عادة تحرّر الأوطان.

وختاما، لقد أطلق السوريون ثورتهم قبل عام وهم يعلمون يقينا أن النظام السوري لن يتوانى في القتل والتنكيل والكذب والترهيب في سبيل قمع انتفاضة السوريين، ولقد ضحوا كثيرا منذ انتفضوا ومع ذلك لم يتراجعوا بل شهدت ثورتهم اتساعا جغرافيا وتصاعدا عدديا طرديا منذ بدئها. لقد أيقن السوريون أن طريق الرجعة مكلف أكثر من المضيّ قدما، فعزموا على الاستمرار حتى إسقاط هذا النظام وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية التعددية، ورسموا في طريقهم أبهى صور التضامن الوطني والتكافل الإجتماعي والإبداع الفكري والرقي المدني في أقسى اللحظات وأكثرها إيلاما. وكلي ثقة أن السوريين سيحسمون ثورتهم لصالحهم، وبما يناسب مصالحهم فقط، لا مصالح أي دولة أخرى مهما قَرُبَت أو بَعُدَت. أراهن على السوريين، ولم أخسر رهانًا عليهم بعد، وفي قلبي يقين أني لن أخسر هذا الرهان أيضا. عاشت سورية حرة، والرحمة لشهداء الحرية والكرامة.

9 مارس 2012

في مثل هذا اليوم ثارت المرأة .. وما زالت!

woman

يُحْكى أنه في مثل هذا اليوم، الثامن من آذار، في عام 1907 خرج آلاف النساء العاملات في النسيج في نيويورك إحياء للذكرى الخمسين لمظاهرتهن في نفس المدينة والتي قُمِعت بعنف من قبل الشرطة. وكحركة رمزية للفت الأنظار إلى مطالبهن في المساواة والعدالة الاجتماعية وحقهن في التصويت، قام النساء بحمل باقات الزهور والخبز اليابس في المظاهرة. لاقتْ هذه المظاهرة صدى لدى ساسة الولايات المتحدة وشكَّلَتْ دفعا لما عُرِف فيما بعد بحركة حقوق المرأة في البلاد، كما تلقّفتْها نساء أوروبا للمطالبة أيضا بحقوقهن. وبغض النظر عن حقيقة حدوث هذه المظاهرة وتاريخ ذلك، فإن نضال المرأة في العالم للحصول على حقوقها والمساواة مع الرجل قد تصاعد مع مرور العقود الأولى في القرن العشرين ما دفع الجمعية العامة للأمم المتحدّة في عام1977 إلى إصدار قرار يحدّد يوم 8 آذار يوما عالميا للمرأة.

وفي مثل هذا اليوم أيضا، الثامن من آذار، في عام 1963 قام ثلة من الضباط البعثيين بشكل رئيسي إضافة إلى بعض الناصريين وآخرين في سورية بانقلاب عسكري على نظام ما بعد الانفصال عن مصر. وقد قام المُنْقَلِبون بزخرفة ثورتهم غير الشرعية بشعارات براقة كانت الثلاثية البعثية في طليعتها: وحدة، حرية، اشتراكية. ومنذ ذاك اليوم تعيش سورية كابوسا استبداديا قمعيا كان أبعد ما يكون عن كل معاني الوحدة والحرية والاشتراكية. فعمل نظام استبداد الحزب الواحد، ومن ثم نظام الأسد بعد “حركته التصحيحية” (أو انقلابه على رفاقه)، على ضرب الوحدة الوطنية والعربية عن طريق شقّ الصف العربي وتصفية الحسابات مع الأشقاء في كل مناسبة ممكنة وتعزيز الانتماءات ما دون الوطنية بين السوريين، وعمل على قتل الحرية في كل مجالاتها اعتقالا وتنكيلا وإرهابا وقتلا إن لزم الأمر، بل وإن قانون الطوارئ الذي حكم من خلاله هذا النظام حتى العام الماضي دليلٌ على الاستهتار بالحرية وقيمة الإنسان، وعمل على تسخيف الاشتراكية بسياسات ظاهرية كانت ترمي أساسا إلى إثراء من هم في الحكم حتى أصبح البلد محكوما من مافيا قمعية اقتصادية تقتل العباد وتنهب البلاد.

ولسوء طالع المرأة في سورية، فإن “8 آذار الاستبداد” قد أصبحت المناسبة التي يُحتَفَلُ بها في سورية بدلا من “8 آذار المساواة والحرية”. واستمرّ هذا الأمر لأكثر من أربعة عقود إلى أن جاء اليوم حيث أمكن للمرأة السورية أن تصرخ مجددا “حرية، مساواة” في يومها وعيدها وفي بلد لها فيه دورٌ رياديٌّ في نهضته واستقلاله من المستعمر وتشكّل وعيه الثقافي الحضاري والآن في ثورته على المستبد. في 8 آذار 2012 تستطيع المرأة السورية أن تفخر جهرًا ومرتين: مرة تشاطر بها أقرانها من الرجال في هذا الوطن بأنها إنسان له كرامة ويحق له أن يعيش بحرية وأمن وفي ظل دولة قانون، ومرة تفاخر بها وحدها بأنها نصف المجتمع ويحق لها ما يحق للرجال في مساواة كاملة على أساس المواطنة لا تمييز فيه مستندا على الجنس.

إن ثورة الحرية والكرامة في سورية والتي ستُكمل عامها الأول بعد أيام قليلة وَضَعَت المرأة السورية في الطليعة مجددا، حيث قدَّمَت المعتقلَ الأولَ في الثورة مروة الغميان في 15 آذار، وقدّمت أولى شهيداتها في 1 نيسان الشهيدة تهاني الخالدي، كما كانت الطفلة ابتسام محمد قاسم المسالمة قد استُشْهِدَت في 23 آذار، وكانت دانا الجوابرة صاحبة فكرة قافلة رفع الحصار عن درعا، وريما فليحان هي من دوّرت “بيان الحليب” أو نداء أطفال درعا بين الفنانين والمثقفين، وغيرهن الكثيرات من نساء هذا الوطن اللائي تصدّرن النضال من أجل الحرية والكرامة في ثورة الحرية والكرامة. إن المرأة في سورية ثارت كما ثار الرجال، وما زالت تثور حتى تنال سورية حريتَها وأهلُها كرامتَهم، ثم ستستمرّ المرأة السورية في ثورتها حتى تنال حقوقها كاملة في دولة مدنية تعددية ترتكز على المواطنة أساسا في تنظيم العلاقة بين السلطة والشعب. وسوف نبقى نحن الرجال السوريين إلى جانب المرأة السورية وعونا لها وسندا لنضالها إلى أن يزول الغُبْن عنها .. ولن يزول حتى لا يجد السوريون حرجًا في انتخاب رئيس أنثى، وممثل في البرلمان أنثى، وتندثر جرائم الشرف، وتصبح الكفاءة معيار الحكم في المجتمع، لا جنس المواطن.

كل عام وأنتنّ بخير يا نساء سورية، وفرحتُنا الكبرى تكون في سورية حرة كريمة مدنية تعطيكن مكانتكن الندية في وطنكم، وطننا جميعا.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 104 other followers